آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 10:57 م

عقدة التاريخ والثورات العربية

محمد الحرز * صحيفة اليوم

حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تعم منطقة الشرق الأوسط منذ ما يقارب نصف قرن من الزمان ليست حالة استثنائية في تاريخ العالم. أوروبا عرفت هذه الحالة، بل عرفت أسوأ من ذلك بكثير. فالحروب الدينية، وحروب تأسيس الدول القومية الوطنية، ثم الحرب العالمية الأولى والثانية، ثم الحرب الباردة. هذه تواريخ مشهودة زلزلت المجتمعات الأوروبية ولم تتركها تستقر لا أمنيا ولا اقتصاديا ولا سياسيا إلا بعدما انتقلت بمجتمعاتهم إلى بناء الدولة الحديثة وفق مسار ديمقراطي، متخلصين من عقد الماضي وأزماته.

لذلك المسار التاريخي طويل بالنسبة للمجتمعات العربية للوصول إلى مرحلة الاستقرار كما حدث في أوروبا. لكن تسارع الأحداث يعطي للمراقب انطباعا بأن الأمور بدأت تصل إلى خواتمها، وأن النهاية قربت للوصول بهذه المجتمعات إلى مرحلة الازدهار والتطور والنمو والاستقرار.

ثمة موانع وعقبات ما زالت راسخة الجذور في تربة هذه المجتمعات، جميعها تبطّء من عملية الإصلاح السياسي والاجتماعي، وتتطلب إزالتها جهودا مضنية ومدة من الزمن ليست بالقصيرة على الإطلاق أبرزها عقدة التاريخ الكامنة في الشخصية العربية، وهي تتفرع إلى عقد عديدة تسير في عدة مسارات مختلفة من حياة الفرد إلى المجتمع، وتختبئ خلف خياراته وأفكاره السياسية والاجتماعية. لكنها مهما تفرعت وتعددت أوجهها تظل مرجعيتها واحدة تتصل بالتاريخ العربي الذي أثقل كاهل المنتمي إليه حتى كاد يمنعه عن التقدم والحركة. فهو بمثابة السلطة التي تعيد إنتاج نفسها كلما عمت الفوضى وعدم الاستقرار.

لكن ماذا نعني ب «عقدة التاريخ»؟

لا أريد الحديث هنا عن التيارات الأصولية السياسية، أو تلك المنظمات والجماعات الإرهابية المتطرفة التي أعلت من شأن النصوص التاريخية تقديسا وتطبيقا والتي انتهت صالحيتها للاستخدام في الحياة المعاصرة، وبالتالي انتهت إلى التطرف والتعصب والعنف. ولا أريد الحديث أيضا عن الخطابات الاحيائية التي كانت تدعي لنفسها تجاوز عقد الماضي وإشكاليته وذلك بإنتاج خطابات تجديدية تنفتح على تراث العالم بقدر انفتاحها على تاريخها. ولا أريد الحديث عن العقد النفسية التي تتصل بالأمراض الاجتماعية والفردية التي قيل فيها الكثير من التنظيرات والمقولات المهمة. لكنني معني هنا بمقاربة المسألة من خلال طرح المثال التالي على هيئة تساؤلات:

فيما يخص الثورات والانتفاضات الدائرة حاليا في لبنان والعراق وأخيرا إيران يتساءل المرء حول نقطتين:

الأولى هي استحكام العنف وتزايد القتل الذي يواجهه المتظاهرون في العراق وإيران، والثانية هي أشكال ومظاهر الاحتجاجات التي يبتكرها المتظاهرون.

في اللحظة الراهنة، أي مظاهرة احتجاجية تجري في العالم، مهما كانت توجهاتها، لا يمكن أن تجابه بالعنف والقتل الذي رأيناه على شاشات التلفزة ووسائل التواصل الاجتماعي في العراق تحديدا. دائما ما تقع احتكاكات وتشابكات فقط. لكنها لا تصل إلى هذا العنف المستشري بقوة في العالم العربي. صحيح أن الحرس الثوري الإيراني لا يوفر وسيلة للعنف إلا استخدمها ولا يتورع في ذلك. لكن الصحيح أيضا أن أتباع هؤلاء من العرب العراقيين لا يوفرون ذات الوسيلة أيضا.

إنه العنف الموروث عبر تاريخ طويل من إنتاجه وإعادة الإنتاج الذي تغلغل في بناء الشخصية تربويا واجتماعيا. حتى في لبنان إذا ما نظرنا إلى سياق الاحتجاجات منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري لا نرى سوى السبحة تكر من الاغتيالات، في حين أغلب دول العالم تخلت عن فكرة الاغتيالات كتصفية للمعارضة. وهذه بالطبع إحدى العقد التاريخية الموروثة في الشخصية العربية.

أما مظاهر الاحتجاجات بالخصوص عند العراقيين فإن الملاحظ فيها أنها نابعة من تقليد عريق اعتاد العراقيون ممارسته في مظاهر احتفالاتهم التي تتجلى فيها مظاهر التعاون والتكاتف فيما بينهم، وهذا واضح من خلال ساحة التحرير وساحة الخلاني. لكن هذه الصورة من العقد الإيجابية التي تستثمر فيها هذه العادات والتقاليد للتفكير بمستقبلهم هي إحدى اللبنات المهمة في مشوارهم الطويل للاستقرار.