آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نصر «الهلال» ونصر الوطن

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

فوز فريق الهلال السعودي بدوري أبطال آسيا 2019، أحدث دويّاً تجاوز حجم الإنجاز الكروي... فرحة الفوز لفّت قلوب ملايين السعوديين والخليجيين والعرب. لأول مرة منذ سنوات، تشعر ملايين الجماهير في منطقتنا أنهم شركاء في النصر، ويتقاسمون الفرح، وأن بينهم رابطة قوية تتعدى الحدود والمسافات والفواصل، ولكنها، خصوصاً بالنسبة للسعوديين، أيقظت، وبحماس كبير، شعورهم بالهوية الوطنية.

احتفالية الفوز لم تكن حدثاً كروياً ورياضياً محضاً..! كانت تعبيراً عن شعور بالهوية الوطنية الجامعة التي حققت الإنجاز للجميع.

أصبح الهلال خلال مباراته مع فريق أوراوا الياباني في نهائي دوري أبطال آسيا على ملعب «سايتاما»، معقل الفريق الياباني، رمزاً ملهماً للجماهير السعودية خصوصاً، ولملايين الجماهير العربية، رغم أن قوى العولمة صنعت أسطورة الفرق الأوروبية العابرة للحدود أمثال: برشلونة، وريال مدريد، وآرسنال، وتشيلسي، وغيرها... لكن المنازلة الكبرى التي شاهدها الملايين، جعلت هذا الفريق السعودي يشق طريقه نحو الجماهير التي وجدت فيه تعبيراً عن حاجتها للانتماء.

يجادل الكاتب الفرنسي باسكال بونيفاس، مؤسس ومدير مركز الأبحاث الدولية والاستراتيجية في باريس، في كتابه «كرة القدم والعولمة»، بأن كرة القدم على عكس ما يتخيّل للبعض أنها وسيلة لتحقيق العولمة على حساب الهويات الوطنية، فإنها قادرة على تكريس الهوية القومية للشعوب. يقول باسكال: «على الرغم من كونية كرة القدم، إلا أنها تبقى من الظواهر الحامية والمدافعة عن الهوية الوطنية مقارنة بالظواهر الأخرى المرتبطة بالعولمة، التي تذوب فيها الوطنية»، ويشرح: «إذا كانت العولمة الليبرالية السائدة ترمي إلى حل الهويات الوطنية والقومية، فإن كرة القدم هي على العكس، عامل «لحمة» و«إسمنت» لهذه الهويات... ذلك أن مواطني كل بلد من بلدان العالم يلتفون كصوت واحد حول فريقهم الوطني باعتباره يحمل «علم» البلاد إلى مختلف أرجاء المعمورة».

يضيف أن «كرة القدم هي الاستثناء الأجمل في ظاهرة العولمة، وأنها الوسيلة التي تبقت لتحقيق التقارب بين الشعوب، والمحافظة على الهوية الوطنية، «في الوقت نفسه»».

باسكال بونيفاس، الذي ألفّ ما يزيد على أربعين كتاباً، قدّم ثلاثة كتب في فلسفة كرة القدم، هي: «جيوستراتيجية كرة القدم» و«العالم مستدير مثل كرة القدم»، و«كرة القدم والعولمة». وبرأي باسكال، فإن كرة القدم يمكنها أنها تصنع هوية وطنية لازمة لقيام الدولة، فإذا كانت الدولة تقوم على ثلاثة أركان أساسية: هي الأرض والسكان والحكومة... فإن باسكال يضيف لها ركناً رابعاً هو «امتلاك فريق وطني لكرة القدم»، حيث تمثل كرة القدم دليلاً أكيداً على الهوية الوطنية. طالما كانت الرياضة، رغم ما تثيره من عصبيات وحميات، أهم الوسائل الفعالة لتقريب الناس، وتذويب فوارقهم، وطي المسافات بين الأمم والثقافات والشعوب، وإضفاء التعايش، وتجاوز ثقافات التقسيم، ونشر قيم التعاون والتآخي بين الناس، ولكنها أيضاً قادرة على منح الشعوب شعوراً قوياً بالانتماء للجماعة الوطنية، وقوة لتوطيد الروابط وتعزيز التضامن بين الأفراد، في نموذج الهلال، وجد شباب سعوديون من أقصى البلاد إلى أقصاها أنفسهم في بحر متدفق من الفرح والبهجة، والشعور العميق بالانتماء الوطني.