آخر تحديث: 12 / 8 / 2020م - 8:10 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الكرم في المناسبات بين العطاء والتفاخر

عباس سالم

نتحدث كثيراً في مجتمعنا عن الكرم، ودائماً ما نقول فلان كريم وفلان بخيل، وصفة الكرم لازمتنا منذ الصغر ونحن في الصفوف الأولى للدراسة، عندما سمعنا قصة حاتم الطائي المشهورة وكيف كان يكرم ضيوفه.

ارتبط مفهوم الكرم في مجتمعنا بإكرام الضيف وذبح الخراف وتقديم مختلف أنواع الأطعمة في الأفراح والمناسبات، وانتشر اليوم مفهوم الكرم في الاستراحات والصالات وفي العزائم داخل المطاعم الفاخرة وغيرها من الأماكن المخصصة للمناسبات، والتي نادراً ما تجد رجالاً داخل هذه الأماكن يعلوا صوتهم فيما بينهم وكأنهم في عراك وكل القصة أن كل منهم يريد أن يحظى بدفع الفاتورة لتلتصق به صفة الكريم.

في مجتمعنا اليوم انتشر «الكرم» وذهب أهل العروس والعريس إلى عالم الإسراف والبذخ في الإحتفال بليلة الخطوبة أو عقد القران الدخيلة على المجتمع وعاداته المتواضعة وأحضروا فرقة العزف «الطقاقة» وذُبِحت الذبائح ودعي الناس إليها وكأنه إعلان الزواج وليس الخطوبة! بعد أن كانت سابقاً تتم بكل تواضع في المحيط العائلي، وبعدها يتم توزيع الأسماك في بعض المناطق على الجيران كل حسب عاداته، وبعدها إعلان خطوبة البنت الفلانية للرجل الفلاني.

في مجتمعنا اليوم أَرهق «الكرم» جيب العريس وجُرّ إلى عالم التبذير والإسراف، وذهب إلى البنوك وغيرها لاستلاف المال منها ومن ثم توزيعه على الصالات والطقاقات وغيرها، بعد أن كانت تقام تلك المراسيم في أحد الحسينيات أو المجالس المتواضعة في البلدة، وبعد أول يوم لدخول العريس القفص الذهبي يعرك عيناه، ويصاب بالدوران بسبب الديون ومطالبة الديانة له بتسديدها، ويبدأ في البحث عن الفانوس السحري ليساعده في تسديد ديونه.

كثيراً ما نشاهد في بعض البلدان العربية والمعروف أهلها بكرم الضيافة نرى الفقراء يتجمعون حول حاويات القمامة بحثاً عما تبقى من فضلات الكرم الكبير..!! وفي بلاد الغرب البخيل يتقاسم الأصدقاء مبلغ الفاتورة فيما بينهم بكل احترام ومن دون أصوات تتعالى بينهم، وتجد الفقراء والمشردين يتجمعون في أماكن معينة معروفة بانتظار المساعدة من الناس.

الكثير من الأفراد والمؤسسات في الغرب الكافر يتبرعون بوقتهم ومالهم لتقديم وجبة ساخنة للمحتاجين في بلدانهم، وفي البلدان الإسلامية تغلق الأبواب في وجه الفقير والمحتاج في مفارقة قد تجعلنا نتوقف قليلاً عند مفهوم الكرم لدينا لنكتشف ما هو إلا طريقة استعراضية يتبعها بعض الأفراد في المجتمع إرضاءً للناس ورغبة في اكتساب صفة تجعله حديث الساعة في المجالس والديوانيات، وهذا يجعلنا نتساءل هل نحنُ كرماء فعلًا أم مستعرضون؟

استعراض الكرم موجود في المجتمع فلم يعد الكريم هو من يعطي الناس لوجه الله..!! بل ليبهر الأغنياء ومن تغطى بثياب بيضاء لكنه مفلس من الداخل ويبالغ في توجيبهم واستقبالهم، وقد يستدين من أجل استعراض كرمه وإعجاب المدعوين كما هو حاصل في الأفراح والمناسبات، وكل همه من ذلك هو كلام الناس لا العطاء بمفهومه الشامل الذي يعود عليه بالرضا وعلى المجتمع بالتكافل والمحبة.

خلاصة الكلام هي أن الكرم في الواقع الذي نعيشه ليس وحده الذي حورناه وأخرجناه من قيمته، لكن الرغبة في إبهار من حولنا في المجتمع، والحصول على تصنيفات عالية مسحت للأسف قيماً كثيرة لدينا، ومنها «الصدق» فنحن نكذب وننافق ليتقبلنا الآخرون، ونظهر بوجوه وأقنعة مختلفة لا تمثل حقيقتنا من أجل الحصول على تصنيفات بين الناس، وبعد حين نكتشف سطحيتها وانعدام قيمتها الحقيقية.