آخر تحديث: 28 / 2 / 2020م - 10:33 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شفاءٌ بثلاثة دراهم

إذا أردتَ أن تَطرب لجرحِ طيرٍ فأَنجع طريقة أن تقصَّ ريشَ جناحيه وتحبسه في قفصٍ، وتطعمه أجودَ الحب وتسقيه فراتَ الماء. هو يبكي لجراحهِ وتعاسته وأنت ترقص فرحاً على تغريداته حيث جعلته لكَ ومَلَكته.

وإن أحببت أن يكونَ الإنسان مُلكاً لك فاحرمه من جناحي العلمِ والأدب، فلا يكفي أن يكون جاهلاً لا يطير، بل جاهلٌ سخيفٌ خفيفُ الوزن وسهل الحمل. في المحصلةِ ليسَ عليك إلا أن تغويه عن الكتابِ والمذاكرة، يكفيه عقله وما يرى وما يسمع وفي الحياةِ ألفُ طنبورٍ وقينة.

من يقرأ التاريخ يرى أنه عندما يدخل الطامعونَ في بلد فإنهم يبرزون حنقهم في المكاتبِ ودور النشر قبل غيرها، يحرقونها وينهبونهَا ويبدلون ما فيها من تراثِ علمٍ وأدب، ثم يتغير أهلها بتغير ثقافتهم وتاريخهم ومحتواهم. ذلك لأن وريقاتِ المكاتب وما احتوته من علمٍ وأدب كانت السدَّ المنيع الذي حرم الغزاةَ من دخول المدن وأخَّر انتصاراتهم.

عندما يكون كتابُ العلم والأدب رفيقاً لنا في الطائرةِ والقطار والسيارة وغرف الانتظار بدلاً من الفراغِ وفرقعة الاصابع سوف يرى أبناؤنا ويعرفونَ ما هو العلم والأدب والتاريخ والثقافة وسوف تكون المعرفةُ جزءاً من ثقافتهم وحضارتهم وسوف تكبر أجنحتهم وينمو ريشها.

قرأ ”أبو علي“ كتاب ”ما بعد الطبيعة“ لأرسطو أربعينَ مرة حتى حفظه عن ظهر الغيب، لكنه عجز عن فهم مقاصده، فأغلق الكتابَ بأنه لا فائدة من المزيد. وبينما هو يسير في سوقِ الوراقين في مدينةِ بخارى رأى بائعاً صغير السن ينادى على كتابٍ تمزق غلافه ولم يجد من يشتريه. ألحَّ الصبي على ابن سينا أن يشتري الكتابَ ولو بثلاثة دراهم فتعطف ”أبو علي“ على الصبي واشترى منه الكتاب وكان زاهداً فيه.

جلس ابن سينا بعد أيامٍ تحت ظلالِ الخمائل في يومٍ صائف ونظر في الكتاب، وهبَّ واقفاً ثم جلس من شدة الفرح، فالكتاب كان لفيلسوف زمانه ”أبو نصر الفارابي“ يشرح كتاب ”ما بعد الطبيعة“ لأرسطو الذي عجز ابن سينا عن فهمه بعدما قرأه أربعينَ مرة!

وليس بعيداً عنا مر رجلٌ بصبي في ساحةِ الوراقين يريد أحداً يخلصه من كومةٍ من الكتب ضاق بها المحل ولا مشترٍ لها. ساومه عنها واشتراها بريالات قبل أن يرميها البائعُ مع نفايات الأوراق. كان في الكومةِ نسخاً ثمينة من أرقى دواوين الأدب.

الآن أصبح ورق الكتاب أرخص من الأكلِ والشرب واللعب، يحاصرنا أينما نذهب هو في أيدينا، فمن الأنفع لو كانت الهدية كتاباً لابننا أو ابنتنا. ربما من المستبعد أن يكون هناك ”ابن سينا“ آخر بيننا ولكن قاعدة العرفاء تقول ”العلمُ إن لم ينفع فلن يضر“!

وأنتَ دلل نفسكَ في هذا الشتاء المعتدل ومتعها حينما تجلس قرب النافذة لا صوت إلا قطرات المطر تتساقط تحيي ما ماتَ من أرضنا في كتابٍ يبعث في نفسكَ البهجة والسرور ليكتمل مشهد قدرة الخالق أن يكون الجمالُ في كلِّ شيء وأن نكون نحن المؤمنين الذين نادانا في قوله: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ" «يونس: 57».

مستشار أعلى هندسة بترول