آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 2:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

غبارُ السنين

بعد أيامٍ قلائل يحضر عامٌ جديد، يفرح العالَمُ به ويحتفي بقدومه، وسنةٌ قديمة تمسي في صفحاتِ التاريخ. عامٌ ينتهي مع نسماتٍ من الورد وهباتٍ من رياحِ البارود عشناها فيه يستعجل بنا الشيبَ والهرم. وما علينا لنعرف إن كنَّا خسرنا أم ربحنا في عامٍ إلاَّ أن نسأل: عامٌ انتهى فهل ربحَ فيه جانبُ النور في الإنسان، أم خسر فيه وربح جانبُ الطينِ والتراب؟

ولكي يربح جانبُ النورِ لازمه أن تكونَ له استراتيجياتٌ وأهدافٌ وأدواتٌ تمكنه من خوضِ غمار الحياة والفوز فيها. تلك الاستراتيجيات التي كانت حكراً على قادةِ الحروبِ في العصور القديمة أصبح كلُّ فردٍ منا بحاجة لها لكي يتعامل بنجاحٍ مع التحديات الإقتصادية والتكنولوجية والمعرفية ومن ثَمَّ يكون قادراً على تحقيقِ أهدافه الكبرى وتأمين متطلباته في الحياة.

مع أن الإنسان مخلوقٌ للكدِّ والتعب في جميع شؤون حياته فلا نعمةَ خالصة في طِيبها وهنائِها وكلها مشوبة بالمقاساةِ والمكابدة، إلا أنه يملك القرارَ والإختيار بأن تكون الأرضُ قبراً كبيراً يُدفن فيه أو حلبةَ كفاحٍ وصراع يخسر مرة ويربح مرات، ولا يلام المرء حين يموت واقفاً!

لكلِّ من في الحياة: إن كنتَ في عنفوانكَ وقوتك وعطائك حقَّ لك أن تفرح وتبتهج. وإن كنت ضعيفاً خائرَ القوى ويائساً فليس لديك وقتٌ طويل فوق الأرض قبل أن تحاول الفرار نحو الضفة الأخرى. صغاراً كنا أم كباراً يلزمنا في كلِّ منعطفٍ من الزمان أن ننظر أين أقدامنا؟ وليس أفضل من مبتدأ السنة، وخطةُ الانتقال السليمة تكمن في تحديدِ أين نتمنى أن نكون؟ وما هي وسيلة الانتقال إلى حيث نريد؟ وكم كلفتها المادية والأخلاقية؟ وإلا جرفتنا أمواج بحر الحياة حيث شاءت!

استراتيجية التخطيط وأمان المستقبل التي كُتب فيها الكتب ودرسها أرقى الجامعات والمعاهد الشرقية والغربية اختصرتها حكمة ”اعقل راحلتك وتوكل“، حينما نعتبر الراحلةَ هي وسيلة انتقال المسافر في فيافي الدنيا الواسعة، وعقالها ليس إلا حبلُ ضمان وجودها عند الحاجة! فكم كنتُ أرغب أن أقول لك: إن الأماني والأحلام تكفي لكي يكونَ الغدُ يوماً أجمل وأبهج من الأمس وعندما يأتي يومٌ جديد وعامٌ جديد لا نكون إلا كبرنا عاماً لا غير! لكنَّ واقعَ الحياة يقتضي أن الطريق البعيد يحتاج راحلةً وزاداً ومأوى للراحةِ بين محطاتِ السفر.

عامٌ أزفَ على الانتهاءِ ولو وسعنا دائرةَ البيكار لوجدنا أن طينَ الإنسان غلب نوره في فتراتٍ أطول، في هذا العام، عما كانت الغلبة فيها لنوره. ولا يبقى لنا إلا أمل العيشِ ليومٍ وسنةٍ وقرنٍ يغلبُ فيه نورُ الإنسان الطين ويرتاح كلُّ منتظر!

مستشار أعلى هندسة بترول