آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 1:12 م  بتوقيت مكة المكرمة

مليون وواحد

للحقيقة وجهٌ واحد، من أي زاويةٍ نظرت إليها وفي أي مكانٍ وأي زمان لا تتغير، وتأتي الإشاعة في مليون وجه! جمال الإشاعة في عدد وجوهها التي لا تعد ولا تحصى، تلبس في كل ساعةٍ رداءً وهي تبحث عن رداء الحقيقة!

ولأن للحقيقة منظراً ثابتاً لا يتبدل، فالناس تعتاده وتمله. ويرتاحون للإشاعة ويطلبونها لأن مناظرها لا تتكرر، ولها فوائد جمة. هي تهزم جيوش العدو وتفرق كلِّ حشد وسهلة الوصول من قلوبِ البشر إلى أفكارهم، ثم تلبس لباس الحقيقة! وعندما تلبس الإشاعة لباس الحقيقة يحميها كلُّ من يحملها ويفديها بنفسه من أجل أن تبقى حية، وإن مات هو أو غيره لكن المهم أن تبقى ”الحقيقة“.

كانت الإشاعة تنتقل بسرعة الجمال والبغال، وفي أسرعِ حالاتها بسرعة الخيل، وقد لا تصل حيث تريد. وعندما يصل حاملها تسمع صوته وتستطيع أن تزيح القناع عن وجهه ولو قليلاً! أما إشاعة اليوم فهي تسير بسرعةِ الصوت في أبطأ حالاتها وتسير بسرعة الضوء أو أسرع وتنتقل في أعذبِ الأصوات وأجمل الصور. لن تعرف حاملها أو تكشف أسراره، لكنك ترى ما تخلفه من دمارٍ على من تصيبه طلقاتها ونيرانها.

الإشاعة اليوم هي إستراتيجيةٌ فعالة تقوم على مبدأ أنَّ جميعَ الوسائل والأسلحة مشروعة ومباحة لكي تتحقق الغاية، وليست الأخلاق والشيم مهما علت هي من يحدد نوع السلاح، فلابد لمتلقي الإشاعة أن يكون محصناً ومتدرعاً بدروعٍ سابغة لكي يحمي نفسه من أن تفتك به. الله! كم أبعدت الإشاعة والوشايةُ حبيباً وحرمته من أنفاسِ من يحب، وقربت عدواً كان بعيداً، وأصابت شريفاً، وأعلت وضيعاً!

برع الفيلسوف العالم السهروردي باكراً وبسبب علمه الذي فاق فقهاء عصره، أشاعوا عنه الكفر وبعثوا إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي وخوفوه من أن يفسد أمور البلاد فكتب إلى ولده في حلب يأمره بقتله. وحينما قُبض على السهروردي وأعلم بقرار قتله اختار لنفسه أن يموت جوعاً في البريّة أو في قلعةِ حلب وهو ابن ست وثلاثين سنة.

وأبعدت الوشاية قيسَ بن الملوح عن القرب من ليلي فقال:

وَمَنَّيتَني حَتّى إِذا ما رَأَيتِني

عَلى شَرَفٍ لِلناظِرينَ يَريبُ

صَدَدتِ وَأَشمَتِّ العُداةَ بِهَجرِنا 

أَثابَكِ فيما تَصنَعينَ مُثيبُ

أُبَعِّدُ عَنكِ النَفسَ وَالنَفسُ صَبَّةٌ 

بِذِكرِكِ وَالمَمشى إِلَيكِ قَريبُ

مَخافَةَ أَن تَسعى الوُشاةُ بِظِنَّةٍ 

وَأَكرَمُكُم أَن يَستَريبَ مُريبُ

كما كتب جبران خليل جبران الآتي تحت عنوان ”بين هجعة ويقظة“:

كان في المدينة حيثما ولدت امرأة وابنة، وكانت لهما عادة أن تمشيا وهما نائمتان.

فحدث في إحدى ليالي الصيف الهادئة الجميلة أن نهضت الأم وابنتها من نومهما على جاري عادتهما ومشتا وهما نائمتان في حديقتهما المرقعة بالضباب.

وفيما هما ماشيتان قالت الأم لابنتها: ”تباً لكِ من عدو شرير! أنت التي هدمت شبابي وبنت حياتها على أنقاض حياتي! آه لو أستطيع أن أقتلك!“

فأجابت الابنة وقالت: ”أيتها المرأة الممقوتة والحيزبون الأنانية الرثة القائمة بيني وبين ذاتي الطليقة، يا من تود أن تكون حياتي صدى لحياتها الرثة البالية! ألا ليتك تهلكين!“

وفي تلك اللحظة صاح الديك فأفاقتا معاً من نومهما وهما بعد في الحديقة ماشيتان.

فقالت الأم بلطف: ”أذاك أنت يا حمامتي؟“ فأجابت الابنة بحلاوة: "نعم أنا ابنتك يا حنونتي!.

وسأل الناس المغنية فيروز عن حبيبها فقالت:

"سألوني الناس عنك يا حبيبي

كتبوا المكاتيب وأخدها الهوا

بيعز عليي غني يا حبيبي

ولأول مرة ما منكون سوا

سألوني الناس عنك سألوني

قلتلن راجع أوعى تلوموني
غمضت عيوني خوفي للناس
يشوفوك مخبى بعيوني"

هكذا تحكي الإشاعةُ والوشاية ألفَ طرفة لقلوبنا ولا تحكي الحقيقةُ طرفةً واحدة لعقولنا!

مستشار أعلى هندسة بترول