آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 1:39 م  بتوقيت مكة المكرمة

أثمن الهدايا

قبيل نهايةِ هذا العام لم أجد هديةً أثقلَ وزناً في العقلِ والمشاعر وأخف كلفةً من كلمة ”أعتذر“! مواعيد في الزمان تذكرنا بوجوبِ تجديد وإصلاح العلاقات العمودية بين المخلوقِ والخالق، والأفقية بين المجموعة البشرية، ومن هذه المواعيد نهايات السنين. خطايا ما بين الخالق وبيني سوف أتركه له يتولاه فلم أجد من يعرف الذنبَ أكثرَ منه ومن يقبل الاعتذارَ أسرعَ منه. والخطايا بين من أعرفهم لابد أنهم أدركوا صدقَ المحبة فكان الذنبُ والإعتذار على قدرها.

”أعتذر“ كلمةٌ تحرث أراضي القلوبَ وتزرع فيها المودةَ كما تُزرع الورودُ والأزهارُ في نهاياتِ السنة واعتدالِ الأجواء في أشكالٍ وألوانٍ. وليس فيها دليلُ إدانة بتهمة بل هي كلمةٌ من قاموس المحبين الذين يزعجهم البغضُ والجفاء. كم من لعنةٍ توارثها أجيال وتداعت تحت ثقلها دورٌ كانت سوف تقف عند حدودها في كلمة ”أعتذر“، ثم كان الحبُّ يسكن مكانَ اللعنات؟ إن نهايات كل مآسٍ وبدايات كل رخاء تحل حين يفهم الخصماءُ أنَّ كلمةً واحدةً ربما جلبت كثيراً من الود! كلمةٌ تحتاج خليطاً من الشجاعةِ والمروءة والصدق، وكلنا فيه شيء منها.

يوم كانت قلوبنا أكبر من عقولنا كنا نعتذر عن كلِّ الخطايا ونعفو، وعندما كبرنا وكبرت عقولنا وأصبحت قادرةً على تحليلِ الدوافع والمنافع وراءَ كل الأفعال، انكمشت قلوبنا وصغرت، فلم تعد قادرةً على محوِ خطايا الآخرين ونسيانها!

في آخر فصلٍ من السنة لنتذكر أن الرسول ﷺ قال: ”أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض“. وكأنه يوصي بالتغافل عن أخطاء الناس ونسيانها، والحلم عنهم، وعدم معارضتهم والرفق والإحسان إليهم، وحسن معاشرتهم، كل هذا لنعيش نحنُ وهم برفاهية.

”أعتذر“، كلمةٌ أجمل وأنفس من الورود لو يهديها الرجالُ للنساء وأفضل الأدب إن علمها الكبار للصغار، فمن ذا الذي بيننا لا يخطئ؟ فأنتَ إن وجدت في هذهِ الأسطر أو في غيرها مما كتبتُ أنا ولم تره ذا نفع فالعذر عند كرامِ الناس مقبولُ، وكان جُلُّ مقصدي أن أشارككَ أفضلَ ما تعلمته في سنين حياتي كلها...

مستشار أعلى هندسة بترول