آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 9:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

التقليد والتخلي عن الحشمة

عباس سالم

انتشر اليوم أمر التقليد والتخلي عن الحشمة والانسلاخ من القيم بين الشباب والشابات في المجتمع فأصبح أمراً لا يطاق، وهذا الأمر لم يتغلغل ولم تظهر الأعمال غير الأخلاقية فيه بين الشباب من الجنسين مثل ما هي عليه اليوم بسبب التأثير الجارف لتكنولوجيا الاتصالات والأجهزة الذكية.

أصبح اليوم أغلب وقت الناس صغاراً وكباراً نساءً ورجالاً ضائعاً في مشاهدة ما تنشره أجهزتهم الذكية من مشاهد مضحكة بل وفاضحة في بعض الأحيان، ويتعلم منها المتفرج من الرجال والنساء ومن الشباب والشابات للأسف فساد الأخلاق وضياع القيم، ويقل الأدب ويذهب الحياء وتنعدم اللباقة في التعامل مع الآخرين في المجتمع الواحد، ويمضي الكثير من الناس وقته في تصفح وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة لساعات دون كلل ولا ملل.

ارتبط مفهوم القيم بالعادات والتقاليد والأعراف المجتمعية التي تعلمناها من الآباء والأجداد، وأن الله تعالى أمر رسوله الكريم محمداً ﷺ برسم خارطة طريق لهذه الأمة متمثلة به وبآل بيته فهم قدوتنا في هذه الحياة، لكن الأمة للأسف انحرفت عن الطريق المرسوم لها، ولم يعد للحياء مكاناً بيننا حيث أصبح الرجل يتشبه بالمرأة والمرأة تتشبه بالرجل! وأصبحت الصبية تخرج إلى أي مكان أمام مرأى الوالدين بالملابس غير المحتشمة والضيقة التي تبرز تفاصيل جسدها المحرم على الغرباء..!!

لا بد لنا من الإعتراف بأن صراع التغيير بين الأجيال في المجتمع أمر لا بد من حدوثه، ولكن الأذكى هو من سيكون قادراً على امتصاص غضب الجيل الأحدث ومساعدته في كيفية رؤية الحياة بشكل أكثر حكمة ووعي، دون أن يؤثر هذا التغيير على القيم والمبادئ والأعراف المجتمعية، وهذا في الغالب لا يحدث عند الكثير من المجتمعات وخاصة مع جيل الشباب من الجنسين، والذي يؤدي إلى تفاقم مشكلة صراع التغيير بين الأجيال.

إن لحل أي مشكلة يجب أن نعترف بها أولًا، والأمر هنا موجه للآباء أكثر من الأبناء لأن السلطة في أيديهم هم، والحل الأساسي للمشكلة يكمن في تقبل الاختلاف أولًا ومعرفة مدى التغير الحاصل بين الجيلين والتطورات التي طرأت على المجتمع في هذا الوقت، والأهم من ذلك كله الإيمان بأن الأجيال يجب أن تأتي برؤى مختلفة وحياة جديدة لا تشبه سابقتها، فالجيل القديم كان يعتبر نفسه جيلاً حديثاً في يوم من الأيام وحدث معه بعض التمرد على آبائهم في ذلك الزمن لكنهم ظلوا محافظين على قيمهم ومبادئهم.

هناك هجمة اليوم أكثر من أي وقتاً مضى موجهة لحرف عقول الشباب والشابات، ولضرب المبادئ والقيم والأعراف المجتمعية، تتمحور في ثقافة الأفلام الغربية الموجهة، التي تبث عبر القنوات الفضائية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي «اليوتيوب»، ومن بعض الذين دَرَسوا في الغربِ وتأثروا بعاداتهم وتقاليدهم، وصاروا مِعْوَلاً هدَّامًا للعَلاقة الجيِّدة بالآباء وعاداتهم وقيمهم الذين ورثوها من القرآن الكريم وبما جاء به النبي محمد ﷺ، وهم يَعمَلُون جاهِدين على نشرِ ما رَضَعوه في الغرب من أفكارٍ وقيمٍ داخلَ مجتمعاتهم، ويدَّعون أن ذلك هو الأفضل وهو الذي يَستَحِقُّ أن يُقتَدَى به، ويَدْعُون إلى التخلِّي عن الدين والمبادئ والقيم، وعمَّا هو موروثٌ من: فكرٍ، وثقافةٍ، وفنونٍ وغيرها.

حقيقة أن دور الأُسَر التربوي للنشء هو الأساس لكن بعض الأسر تخلَّت عن هذا الدور،، فربوا أبناءكم منذُ الصغر على الحياء فالغصن إذا نما أعوجاً لا يستقيم إلا بكسره، ويأتي دور المدرسة ثانياً، والمدرسة في سُبات عميق ولا ندري متى تفيق منه لإحياء دورها التربوي! وأن بعض الأسر اهتمَّت بالماديات، وتوفيرِ متطلَّبات الدراسة ورفاهية الحياة، فأصبحت الأمَّهاتُ يعملن خارجَ المنزل، وأَهْمَلن النشء، وتُرِك بين يد المُربِّيات وأكثرهن لا ينتمون لدينه ولا لعاداته ولا لقيمه.

وفي الختام إنه في ظل التأثير الجارف للتكنولوجيا اليوم، وهرولة الوالدين إلى عالم الأعمال في كل صباح، وبدلاً من أن يكون المنزل هو المكان الذي تَحصُل فيه السكينة ومراعاة شؤون الناشئة، أصبح كالفندق يُهَرِول إليه الزوجان نهاية كل يوم، وهما يُغَالِبان النعاس، وضاع الأبناءُ في ظلِّ هذا الوضع، وكما عبر الأديب الإيرلندي ”برنارد شو“: ”إذا كان آدمُ يَحرِث، وحواء تَحرِث؛ فمَن يربِّي الأبناء“؟