آخر تحديث: 28 / 2 / 2020م - 10:33 ص  بتوقيت مكة المكرمة

من خزائنِ حِكم الماضيين

خزائن كلام الأجيال تكثف الكثيرَ من الحكمة في كلماتٍ قليلة، فقولٌ واحد ينفع من بَعدهم منفعةً كبيرة. من الجمل القصيرة التي تداولها كبارنا في الماضي هي: ”إذا أحببتَ أن تغرب فلا تخرب“. كلماتٌ تبدو لمن يسمعها من الجيلِ الحاضر أنها من أمثالِ اللغةِ الصينية أو غيرها لكنها ببساطة تعني: إذا أحببتَ أن تغادر فكن في رقةِ النسيم والهواء الهاب!

ليست الحياة إلا مجموعة من العلاقاتِ المتشعبة والمتشابكة بين البشر، ومع أن نسج العلاقات يستهلك زمناً طويلاً وتمتينه يستهلك وقتاً أطول، لكن بعض ما نبني يسقط تحت ثقلِ أحمالِ السنين، سواءً مع القريب والجار، أو في العمل مع الرفيق، أو في مسارات الدنيا مع الصديق المخلص!

من المهم عندما نكبر أن نفكر كيف نغادر الحياة، وكيف يبقى ذكرنا من بعدنا، لكن قبل هذا إذا احتدم النزاع ولزم قطع بعض العلاقات يجب أن نقطعها بأقل حدةٍ ممكنة، وبأسهل طريقة فإذا حانت عودةُ الحياة تكون أطراف تلك العلاقة والصداقة قابلةً للنمو والتجدد. أما إذا قطعناها بخفة وقلة اهتمام فحتماً لن يكونَ من السهلِ نفخ الحياة فيها من جديد. مثل ذلك مثل فرع الشجرة الذي نقطعه من أصلها، إن لم نقطعه بما يناسب نموه من جديد فحتماً يموت!

تكون نهاية السنة مناسبةً لخروج الكثير من الناس من مهماتِ العمل، وقد كانوا جمعوا عدداً كبيراً من المعارف والأصدقاء يرونهم كل يومٍ في سوح العمل، وقد تشوب المياهَ بعضُ الشوائب، فمن في الحياة تصفو مشاربه؟ الفطن من ينسى ويصفح ويجدد تلك الصداقة، أما غير الفطن ينثر كل ما حواهُ جرابُ السنين من رواسبِ العلاقة ويرميها في وجوهِ أصدقائه معتبراً ذلك نوعاً من المصارحةِ والمكاشفة!

يحتفل كثيرٌ من بلدان العالم بنهاية السنة، وليس الاحتفال إلا من أجل أن تكونَ ذاكرة الماضي تحمل أجملَ المشاهد ساعةَ الإغلاق. وكأن السنة كانت وليمة اختلط فيها مذاقاتُ الطعام الجيدِ والأجود، ومن الأحلى والأمتع أن يبقى في أفواهنا أطيب ما تذوقنا من الوليمة.

ألا ترى أننا كلنا مسافرون ومغتربون؟ فلابد أن نعرف كيف نغادر السنةَ بسلام والحياة بسلام، وأن يكون خروجنا سهلاً لطيفاً من كلِّ رباطٍ نقطعه، لأنه يبقى في علم الغيبِ متى تعود الحياة لذلك الرباط! وإلا يصح حينها أن نكونَ في ”ندامة الكسعي“ الذي كانت له أقواسٌ رمى بها بعض حُمر الوحش «الظباء»، فأصابها، وظن أنهُ أخطأها، فكسر الأقواس، ثم قال:

ندمت ندامةً لو أن نفسي

تطاوعني إذا لقطعتُ خمسي
تبين لي سفاه الرأي مني       
لعمر أبيك حين كسرتُ قوسي

مستشار أعلى هندسة بترول