آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 8:39 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحدث في الثقافة المعاصرة

محمد الحرز * صحيفة اليوم

من يصنع الأحداث الكبرى التي تؤثر في تاريخ المجتمعات؟

الحروب والصراعات تصنع التاريخ، وهي من تفتح الباب للمؤرخين كي يدونوا ويكتبوا ما يرونه من الأهمية بمكان اقتناعا منهم بأن مثل هذه الأحداث ورجالاتها هي المحرك الرئيس في صنع الأحداث التاريخية.

وقد جرت العادة في مجمل الأدبيات التي أنتجها المؤرخون منذ القدم على هذا المنوال سواء عند المؤرخين القدماء مثل هيرودوت أو أوروسيوس وما جاء بعدهما من مؤرخين سواء في العصور الإسلامية الأولى كالطبري أو المسعودي وابن الأثير، أو في العصر الأوروبي الوسيط مثل المؤرخ الألماني كريستوفر كيلر «1644 - 1707».

الفكرة التي أود الإشارة إليها هنا كي أناقشها هي أن الدراسات التاريخية ظلت مدة من الزمن لا ترى من تلك المؤثرات على مجرى التاريخ سوى الطبقة السياسية، ولا ترى من تلك الطبقة سوى أفعالها وأقوالها وتاريخ حياتها والدول التي أنشئت تحت ظلها، بل ربط المؤرخون التحقيب الزمني للتاريخ وتقسيماته وفق حياة تلك الطبقة وتأثيراتها السلطوية. بيد أن الانقلاب الذي حدث في تلك الدراسات جاء عن طريق مؤثرين اثنين: الأول انحدر إليها من خلال التطورات التي شهدتها مدن أوروبا في المجالين الثقافي والعلمي منذ أواخر القرن الثامن عشر بحيث انتشرت بكثافة كتابة السير والترجمات، وذلك بالتزامن مع انتشار الصحف واختراع الآلة الطابعة، وكان التركيز ينصب في مثل تلك الكتابات أما على السير الشخصية للكتاب أنفسهم، أو على شخصيات مغمورة في المجتمع لم يكن لها نفوذ أو سلطة. وظل هذا الانتشار يحتل مساحات شاسعة من الاهتمام سواء عند عموم الجماهير التي بدأت تهتم بهكذا نوع من الكتابات، أو لدى المختصين من المهتمين بشؤون التاريخ سردا وفكرا وفلسفة. وهكذا كان الأمر، بحيث لم ينقض القرن الثامن عشر ويأتي القرن التاسع عشر حتى احتوت الأدبيات التاريخية على مكتبات ضخمة تضم في أرجائها العديد من الكتب المنجزة عن شخصيات بمقياس المؤرخين الكلاسيك لا يمثلون قيمة حقيقية بالنسبة لمسيرة التاريخ وأحداثه الكبرى.

أما الطريق الآخر المؤثر في هكذا انقلاب فحدث مع مجيء مدرسة الحوليات التاريخية الفرنسية التي أنشئت في عشرينات القرن العشرين على يد المؤرخ مارك بلوخ والمؤرخ لوسيان فيفر، وقد امتد تأثيرها على قطاعات كبيرة في المجالات المتعددة للمعرفة حتى كان أشهر مؤرخيها فرناند بروديل أحد أبرز المؤثرين في مجال الدراسات التاريخية، حيث أحدث ثورة في المنظور إلى التاريخ، فبدلا من التركيز على سيرة الأشخاص من رؤساء ودول كان التركيز ينصب على البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية والجغرافية في تحقيب زمني لا يقع تحت إسار التحقيب الكلاسيكي المتصل بالأفراد والدول، بل تحقيب له علاقة بالأثر الممتد للزمن على الحياة والعالم والإنسان.

هذه باختصار مسيرة الحدث في الثقافة المعاصرة من منظور اختزالي ذي بعد أحادي، إلى منظور متعدد الجوانب والمجالات، لا ينظر إلى الظاهر منه أو الواضح والمعلن، بل إلى ما يخفى عن الأعين أو الأنظار أو ما يهمل منه بسبب صغره أو تفاصيله الصغيرة. خذ على سبيل المثال الأحداث الكبرى التي تجري في الوطن العربي، فحدث مثل انتفاضة الشعب العراقي في الجنوب والوسط يمثل حدثا مفصليا إذا ما تم النظر إليه من وجهة نظر المؤرخ الذي يضع في اعتباره تمدد الحدث على مساحات زمنية تتوسع ما بين الماضي والحاضر والمستقبل. وفي نفس الوقت من أعطى للحدث أهميته في نظر المؤرخ ذاته هو مجموع القصص والحكايات الصغيرة التي كان أبطالها شباب كانوا إلى وقت قريب على هامش المشهد، حكايات صغيرة تكاد لا تذكر مقارنة بروايات الأشخاص المهمين في المشهد ذاته.