آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 10:48 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حكمةُ المشيب تحاكم طهارة الطفولة

بعد أن انتهت الهدنةُ وسنواتُ ربطِ نزاعِ المحاكم بيني وبين شهيتي المتفلتة للطعام في السنوات الفتية من عمري، بدأ عصر ربيع الشحم واللحم. في كلِّ شهر يزرع رطلاً أو رطلين، ثم تنمو وتثمر وتتكاثر في جسدي، وها أنا ذاك ابتدأ مجدي فيما كنت أخشاه!

جاءت الأوزانُ والأحمالُ قليلاً قليلاً كما يسخن الماء، في كلِّ يوم تزحف جرامات لا غير، ثم الرطل ثم الاثنين، كانت تأتي خلسة واعتاد عليها لأنها لو أتت دفعةً واحدة لكنتُ وقفت ضدها وحرمتها من السكون والراحة في جسمي.

كانت زيادة وزني شبيهةً بانفصام كثير من العلاقات والصداقات التي بنيتها في سنوات، إذ لم أفقدها بين ليلةٍ وضحاها ولكن سلوتهم وسلوني يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر، ثم نسيتُ ونسوا العهود التي كتبناها منذ التقينا! علاقاتٌ بنيناها طوبةً بعد طوبة، كما قال الشاعر أحمد شوقي:

نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ

فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ

الآن عدت أدراجي معاكساً بيت الشعر السابق وهدمتها طوبةً طوبة. لم نلتق بعد أن كنا لا نفترق، ولم نعد نتكلم بعد أن كنا لا نصمت، وانقطع الود والسلامُ بيننا، أصاب اللقاءَ بردُ الشتاء واختفت منه الابتسامة، ثم لم نعد نلتق وإن التقينا ليس إلا كلقيا السفن المبحرة في مياه المحيط. ليت شعري الآن:

ففراقٌ يكون فيه دواءٌ

أَو فراقٌ يكون منه الدَّاءُ

من فوائد طهارة زمن الطفولة أن الشحمَ واللحم لا يرتاح فيها، والعقل لم يستطع بعد أن يجد سبباً لقطع الصلات! وعهد الشيخوخة والحكمة لا يبقى من طهارة الطفولة شيئاً. من المحزن أنه عندما نرتقي في عصرِ الحكمة لا يكون في استطاعتنا أن نعودَ إلى براءة الطفولة!

مستشار أعلى هندسة بترول