آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 10:48 ص  بتوقيت مكة المكرمة

كلُّ طفلٍ يحتاج قريةً تربيه!

تقول الحكمة الإفريقية إن الطفل يحتاج قريةً كاملةً ليكبر، مما يعنى أن على ساكني القرية كلهم العنايةَ بكل الأطفال. وبهذا يكبرون كلهم في بيئةٍ آمنة وصحية. بكل تأكيد لم تعد القرية اليوم هي المسئولة عن أطفالنا بل نحن، وفي الطليعة الأم والأب.

عندما انضممت إلى اليدِ العاملة في أوائلِ الثمانينات لم يكن معنا إلا عدداً قليلاً من البنات. ومن ينظر اليوم يرى النساءَ يحجزنَ مساحةً كبيرةً من اليدِ العاملة آخذة في النموِ المضطرد. زيادة ملحوظة في قطاعِ البيعِ والشراء والطبابة والشركات بمختلف أنشطتها وأماكنها، وحتى بدايات مشاركة في الأعمالِ الميدانية الشاقة. عمل المرأة اليوم ليس فقط يستهدف تحقيقَ طموحٍ مشروع وتطويرَ ذات، بل فيه حاجة لزيادةِ الدخل الذي يتطلبه تنشئة أسرة وتغطية تكاليف الحياة.

يزداد ثقل المرأة في حالة أن كانت متزوجةً وعاملة، إذ قد لا يكفي دخلُ الأسرة لعاملةٍ تحمل قسطاً من أعباء الخدمة، وسيد المنزل في أغلبِ الحالات يأنف من المساعدة ولو في أبسطِ الواجبات التي تريح المرأة قليلاً! مساعدة لا تنقص من الكبرياء وتعطي المرأةَ وقتاً أكبر لرعايته وأبناءها عاطفياً.

لم تعد النساء تسكنَّ في قريةٍ بالقرب من الجدات والخالات والأعمام يمدون أيدي العون في حمل شيء من ثقل التربية في الصغر. ولم يعد كل المجتمع آمناً يخرج الصبية والصبيات بين الحارات دون خوف، فاستحالت القرية إلى منزلٍ صغير سكانه أبٌ وأمٌّ وأطفالٌ يحتاجون رعايةً مستمرة ومكثفة من أجل أن يشقوا طريقهم في الحياة بأمان.

صحيح أن الأمهات لا ينجبن عشرةَ أطفال، في أغلب الحالات، ولكن طفلاً واحداً يمكن أن يوقفَ امرأةً فتيةً على رجليها أربعاً وعشرين ساعة، فكيف الحيلة؟ يثقل الحِمل بعد أن يكبر الصغير ويدخل المدارس فالمرأة في أغلب الحالات هي من يعتني ومن يعين الطفل في تحصيله الدراسي منفردة!

أمنيات الكثير في هذا الزمن هي أبسط الأمنيات: منزلٌ يكفي دون بذخ وأسرة معتدلة العدد والقدرة على تأمينِ الحاجات الأساسية لتلك الأسرة. فإذا عملت المرأة فلابدَّ للرجلِ أن يعطيَ قسطاً من وقته ليتمم عملَ المرأة في المنزل دون أن يكونَ أحد الزوجين تحت ضغطٍ أكبر، فالحياة تشبه رقصةَ التانجو التي يؤديها اثنان ولا يمكن لشخصٍ واحد أن يؤديها.

ثم لن يضر الطفل شيئاً إذا ما تعلم باكراً أن يعين في أعمال المنزل، ولو مقابل بعض الميزات، إذ العادة في مجتمعاتٍ أخرى يقوم الأطفال بجز العشب وتنظيف الحديقة والعناية بغرفهم. وما أن يكبروا حتى يكون باستطاعتهم مشاركة الأسرة في جميع متطلبات الحياة. وصيةٌ أخذ بها كثيرٌ من المجتمعات والأمم البعيدة وغفلَ عنها من جاءت من رسولهم الأكرم ﷺ: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي!

مستشار أعلى هندسة بترول