آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 11:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أحسن القَصَص

ناداك ابنك أو ابنتك البارحة: يا أبتِ طالَ بي الليلُ وغابَ عني الرقاد، قصَّ عليَّ حكايةً حتى يزورني طيفُ المنام. حككتَ فروةَ رأسكَ مرةً ثم مرتين، وطافت في ذاكرتك قصصُ الخيال من كتبِ قيس وليلى وعنترة وعبلة، وكل ما كتبه القاصونَ من بديعِ ما تضمنه تراثُ الخيال العربي والإنساني من أساطير. فأيها تختار حينما يكون مرماكَ أن تبنيَ فيه الفضائلَ والقوةَ والشجاعةَ وجمال اللغةِ والمعنى؟

هل فكرتَ أن ترمي كثيراً من قصصِ الخيال الذي يحكي أشياءَ لم تحصل في سلة القمامة؟ خيالٌ يجعل من مجاهيلَ لم يلتقوا يوماً أحباء، ومن مجاهيل جبناء شجعان! هل وددتَ لو أن قصةً واحدةً جمعت الميزات والفضائل السامية التي ما اجتمعت إلا في الأنبياء، تقرأ كل ليلةٍ منها شطراً؟ فيها حكاية غدرِ إخوة ووفاء أخ، فراقُ ابنٍ ولقاء أب، نزول طفل نحو وادي الضعف في بئر وارتقاؤه كبيراً فوق تلالِ العزة والشموخ، وحلٌّ وترحال أسرة، وفيها أغرت امرأةٌ رجلاً ودعتهُ للخطيئةِ فأصرَّ الرجلُ على الطهارة!

هي قصةٌ ليس أجملَ منها إلا الله الذي أرسل بها جبريلَ الملك من سماء العلو إلى نبيه محمد ﷺ الذي قصها على البشر. فيها سيرة نبيٍّ غدر به إخوته وطافت به أحداثٌ جسام. سنواتٌ بعدها عاد وزيراً مبجلاً يأتيه والداه وإخوته في بلادِ غربته. يحكي القرآنُ القصةَ في كلماتٍ وجُمل لابد لمن سمعها إن راكباً ترجل وإن ماشياً توقف.

تلك هي القصة التي يجب أن نقرأَ منها كل يومٍ فصلاً. وأكاد أجزم أن طفلكَ لن ينام، ليس من القلق، بل من شوقِ الانتظار ليعرف ماذا حصل للنبي يوسف ، ذلك الابن الجميل لنبي الله يعقوب !

في قصصِ الواقع القرآني عبرة وخيالٌ خصب وجمال لغة وصدق رواية وأفكار فاضلة ما يكفي أن نرويها للأجيال. لا بأس بالجيد من القصص التي حكاها البشر، لكن بعدما تكون امتلأت أدمغةُ صغارنا بحبِّ الفضيلة والابتعادِ عن الرذيلة وأن يرغب الصبي أن يُقَدَّ قميصهُ من دبر، وليس من قبل! فلا شك أن ما يدخل في رأسِ طفلنا باكراً ينغرس فيه أقوى من الحجر.

يا ربَّ يوسف أفض علينا من الجمالِ والعفة والسداد ما أفضتَ على نبيك يوسف حتى نرجع ونسأل ما بال النسوةِ اللاتي قطعن أيديهن؟ فاطر السمواتِ والأرض علمنا من تأويلِ الأحاديث ما علمتَ يوسف .

موسى وعيسى وأيوب ومريم وإبراهيم وقارون وفرعون وهامان وغيرهم ممن ضمتهم صفحات القرآن شخصيات حقيقية فيها قصص ونكات جميلة لا تخلو أي من الشخصيات النسائية أو الرجالية من ميزةٍ وحدث يمكن للطفل أن يستطعمه ويتذوقه، أو يمجه ويلفظه، بدلاً من الشخصياتِ الفارغة إلا من الخيالِ الذي يستطيع الطفل الحصول عليه متى ما شاء!

في ليالي الشتاء الطويلة قصَّ على طفلك بعضا من قصص الروعةِ والجمال وسوف ترى أنه سوف يمقت ما دونها من شخصياتٍ هزيلة وضحلة فلا تبخل عليه بأجمل قصة تحكيها له ولا تمحوها الأيام.

مستشار أعلى هندسة بترول