آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 10:34 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الكاتب وقارئ اليوم

كتب صديقٌ لي مقالاً فلسفيا شيقا من كلِّ زاويةٍ نظرت إليه. وكعادته لم يكتبه فقط للجيل السابق، بل كانت النصيحة والمعلومة موجهةً لشباب وشابات اليوم. تضمن المقالُ مقدمةً بديعة ليبني عليها صديقي المقالَ ويخاطب العقل العربي الشاب في معرفةِ سبل وطرق النهوض كما حصل في الغربِ والابتعاد عن الضحالة والسطحية.

لكن ويا للطرافة لم يقرأ من كتب لهم من الفتيةِ والفتيات إلا المقدمة التي لم تتعدى في الحقيقةِ أسطراً قليلة وكانت جل ردودهم تخبر أنهم لم يعودوا لمصدر المقال الكامل لقرائته، وبعدها لكلِّ حادثٍ حديث!

تتعدد العقبات أمام الكاتب اليوم فمنها القارئ الذي تصفه أمي رحمها الله ”ليس له زاغر“ حينما تحكي أن شخصاً ما ليس لديه ملكة الصبر والمثابرة فينطَّ في قفزةٍ واحدةٍ من الكلمةِ الأولى للكلمةِ الأخيرة ويخسر ما بينهما من كلمات.

كما أنَّ مشكلةَ الكاتب تسكن في ذاتهِ أيضاً، حين يحتاج أن يعري فكرةً ويجردها من لباسهَا ويراها الرائي جميلةً دون مساحيقِ الزينة في حيزٍ زماني ومكاني محدود. مشكلة الكاتب الذي يجاهد لتكونَ الفكرة التي تحتاج كتاباً مصبوبةً في كلماتٍ معدودات من أجل إرضاء ذائقةِ شريحةٍ ناشئة وكبيرة من القراء على حسابِ شريحةٍ تود لو أطالَ الكاتبُ وأسهب في جمالِ الكلمة والمعنى. معادلةٌ من مخاليط ومحاذير تحيل الكاتب إلى ماشٍ بين أشواكٍ مزهرة إن جاءت قدمه على شوكٍ وخزه، أو على زهرة قتلها.

أما المشكلة الكبرى فتتمثل في التقنيةِ التي تمكن المتربص بالفكرة والصورة اقتطاعها واختزالها عشوائياً فتخرج للقارى على أنها حقيقةَ ما كتبه الكاتبُ وقاله القائل. لم يكن ما كتبه صديقي شيئاً غَيَّر الوجود أو وجهةَ الشباب، لكن لو ازدحم ألفٌ رجلٍ على أفلاطون أو أرسطو وقالوا لهما إن الاسود هو الأبيض وأنتما مخطئان فمن المحتمل أن ينساقا أو أحدهما مع الألف رجل وهذا ما تستطيع تقنية اليوم أن تفعله بالقارئ!

السرعة والعجلة هي خصائصُ مجتمعاتٍ وأجيال، فأنا أجد نفسي عندما اشتري سلعةً يمكنني المساومة على سعرها أبتدئ البائعَ بطلب السعرِ الأخير وأقول له: بكم أقل سعرٍ تبيعها؟ وإذا كان البائع من ثقافةٍ أخرى أراه يرسم لوحةً ويتدرج معي من المئة ثم التسعين والثمانين وينتهي بالرقمِ الذي يريدُ هو وليس أنا!

الصبر على هضم الفكرة هي ملكةٌ وفضيلةٌ تدرس اليوم تحت عناوين براقة مثل كيف تكون مستمعاً جيداً أو قارئاً جيداً، فهم لن يزرعوا في طاسةِ رأسِ الحاضر رقاقةً إلكترونية تمنحه تلك القدرة ولكنهم يعلمونه ملكةَ التأني والصبر على متعةِ الاستماعِ والقراءة ومن ثمَّ الحصول على الثمرة.

مستشار أعلى هندسة بترول