آخر تحديث: 18 / 2 / 2020م - 1:19 م  بتوقيت مكة المكرمة

ما يُمل وما لا يُمل!

هل في أي فترةٍ من عمركَ تابعتَ مشاهدة قصةٍ على التلفاز من عدة حلقات؟ بعضُ هذه الحلقات كنتُ رأيت منها ما تبثه بعضُ القنوات كلَّ يومٍ لسنوات عدة. يتابعها في كلِّ يوم آلافُ البشر في صناعةٍ مربحة ومسلية، تأسر مشاعر من يراها حيث يبكي ويضحك، فما السر يا ترى في أننا نرغب في المزيدِ منها ولا نملها مع علمنا أن أكثرها سرداً من الخيال، وفي العادة لا ينفع؟

ماذا ترى لو كانت هذه الحصص الزمنية حصصَ تعليمٍ وتثقيف فكم من الرجالِ والنساء والشباب يصبرونَ على مشاهدتها ومتابعتها دون انقطاع؟ أكاد أجزم أن قلةً من الناس سوف يكون عندهم الصبر والعزيمة على مجاهدة أنفسهم ومتابعتها. إذ في العادة لا يدوم فكر الإنسان في متابعة ما يقول محاضر سوى ثوانٍ معدودات، بعدها يطير الفكرُ في مكانٍ آخر لكي يتلهى ثم يعود. وبين عودة الفكرِ وهروبه نتثاءب وننظر في الساعة، وهكذا دواليك!

في الحقيقة كلنا نصاب بشرودِ الذهن عندما تحتاج عقولنا أن تصرفَ طاقةً كبيرةً وثمينةً في متابعة مادةٍ دسمة تحتاج إلى تركيز ذهني فتقول عقولنا لنا: كفى لا أستطيع متابعةَ هذا الدرس وتهرب منه لتعودَ بعد أن تعود لها الطاقة والرغبة في المتابعة. بينما لا تستهلك أدمغتنا في متابعةِ القصص والنوادر والمواد الهابطة إلا القليلَ من طاقتها، لذلك نبقى مستمتعين بمتابعتها دونَ ملل!

يمكن للإنسان في مراحلِ العمر المختلفة أن يقوي قدرته على التركيز بالرياضات الفكرية تدريجياً، كما يستطيع أن يقوى عضلاتِ جسده لكي تتحمل جهداً أكبر ولمدةٍ أطول. ولعله لهذا السبب نرى في كلِّ صفٍّ في المدارس طلاباً يستوعبونَ المادة الصعبة كلها، بينما بقية الطلاب أجسادها داخل المدرسة وأدمغتهَا خارج السور!

من الطبيعي أن تضعف وتذبل قدرةُ الدماغ التي نملكها مع تقدمنا في العمر، لكن من نعم الله أننا يمكننا أن نقويها ونعيد لها بعضاً من قدرتها على التركيز. تمارين نحتاجها في كل يوم تستدعي استخدام أدمغتنا التي إن لم نستخدمها سوف نفقدها، من خلال محاولة فهم بعض الدروس وحل بعض المسائل الذهنية، والنقاش الجاد بدلاً من الحديث عن أحوالِ الناس، كما تنفعنا رياضات الجسد كلها واعتدال الأكل!

لكي نصل أنا وإياكَ شاطئ العمر دون أن ننسى كثيراً من الذكريات لا بأس عندما نسمع آيةً من القرآنِ أو بيتاً من الشعر أو حكمةً أن نحفظها وعندما نمر بمعضلةٍ نفكر فيها بروية. وكل الرجاء من الله ألاَّ يأتي يومٌ على البشر تكون كل أدمغتهم وذاكرتهم موكلةٌ للآلة، لا يستطيعون أن يفكروا أو يحسبوا أو يتذكروا شيئاً دونها!

القارئ العزيز: إن لم تخذلك ذاكرتك في تذكر عنوانِ هذا المقال القصير فهي بخير، فهل لا زلتَ تستطيع استذكاره؟ في كلتا الحالتين ذاكرتكَ قريبةٌ من ذاكرتي!

مستشار أعلى هندسة بترول