آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 10:48 ص  بتوقيت مكة المكرمة

باءُ الحمار

من الجائزِ حقاً أن مشكلةَ البشرِ تكمن في ذلك الحيوان، أكرمكم الله، الذي ما دخلَ في شيءٍ إلاَّ وأفسده. دخل في النحو فأخلَّ بقواعدِ الإعراب وابتدعَ المسألةَ الحمارية:

قيل لبعضهم: ما فعل أبوكَ في حمارِه؟

فقال: باعِهِ «بكسر العين».

فقيلَ له: لمَ قلتَ «باعِهِ»؟

قال: لم أنتَ قلت: «بحمارِهِ»؟!

قال الرجل: أنا جررتهَا «بالباء».

فقال الآخر: لمَ تجر باؤكَ وبائي لا تجر؟!

حمل الحمار الأسفارَ التي فيها العلم والمعرفة فلم يشعر هذا الحيوان إلا بثقلِ ما يَحمل، ولم يميّز بين أن يكونَ ما على ظهرهِ رملاً أو كتباً فيها أسرار الخلق وتفاصيل الحياة. وهنا خلد ذكرهُ في الغباءِ والحماقة والبلادة ”كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَتِ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ“.

جرب الحمار صوته في الغناءِ فماذا كانت النتيجة؟ الحق يقال أنّ صوتَ الحمارِ ليس أرفع الأصوات في محيطنا في هذا الزمان، لكنه يحظى بوسام أقبح كلّ الأصواتِ التي يسمعها الإنسان، وبه شُبّهت صرخاتُ ونعراتُ المغرورين البلداء ”إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير“.

ذلك الحمارُ هو من يفرق بين المتحابين، ففي قصةٍ طويلة يروي الجاحظ  فيها شعراً عن معلم كتاب أحمق يقول:

إذا ذهبَ الحمارُ بأمِّ عمرو

فلا رجعت ولا رجعَ الحمار

لم ينل حيوانٌ تقريعاً في أيامِ عزه وأيام خموله أكثرَ مما نال الحمار. يستحي من يذكره وإن كان غائباً ألا يجلَّ من يسمع أو يقرأ عن سماعِ اسمه. غريبٌ هذا الحمار! ومع كلِّ هذه السمعة السيئة هو عصيٌّ على الانقراض، يتناسل ويتكاثَر، بينما حيوانات أخرى أكثر جمالاً وذكاءً منه لم تعد توجد في البراري والغابات وحتى المحميات من الأراضي!

إذاً، هي نظرية ”البقاء للأصلح“، مصطلحٌ ناشئٌ عن نظريات التطور الداروينية كوسيلة لوصف آلية الانتقاء الطبيعي. حيث يعرف المفهوم البيولوجي للياقة البدنية على أنه النجاح الإنجابي. ومن الناحيةِ الداروينية، يُفهم المصطلح بشكلٍ أفضل على أنه: ”بقاء النموذج الذي سيخلد نفسه، في أجيال متعاقبة“. حيث استعان الحمارُ بقوته وصبره على طغيانِ البشر وقسوتهم فبقي حياً.

الحمدُ لله فليس في البشر من الباءِ الحمارية وخصال الحمار، أكرمكم الله، شيئا. كلهم يعطون النَصَفَ من أنفسهم لغيرهم في كلِّ مكانٍ وزمان وفي كلِّ شيء،   كل البشر ملائكة حب!

مستشار أعلى هندسة بترول