آخر تحديث: 18 / 2 / 2020م - 1:19 م  بتوقيت مكة المكرمة

محصلة القوى

هل لاحظتَ كيف أنه ليس في مقدرتك السيطرة على طفلٍ واحد؟ يلعب ويبكي وينط ويكسر كلَّ ما هو ثمين! كيف إذا كانوا طفلين أو عشرة أو مئة، فهل تظن حقا أن في مقدرتك أن تصدرَ أمراً ويطاع؟ أمرٌ أعجز عنه كلما اجتمع عندي الصغارُ في إجازتهم. لا بدَّ أنَّ أصعبَ مهنةٍ في العالم هي تعليم البشر في السنوات الأولى من أعمارهم!

السيطرة على الأطفال وتوحيد قوتهم المندفعة والمتدفقَة نحو جهةٍ واحدة للانتفاع بها في نظري هو مثالٌ صغير لما يحدث في مجتمعٍ كبير بين الراشدين. كلٌّ له رأي باستطاعته أن يخفيه، على العكس من الصغارِ الذين نعرف نواياهم ونتوقع أفعالهم فالسيطرة على حشدٍ من أفكار الراشدين وحصرها في جهةٍ واحدة هو أكثر صعوبةً من حثِّ مجموعةٍ من القططِ البرية على الدخولِ في قفصٍ دون تخديرها. تبدو فكرة اختلاف الآراء جميلة وخلاقة لكن توحيد القوة والطاقة هو ما يحقق طموحَ المجتمعات والأمم، لذلك مشقة جمع الآراء تتناسب عكسياً مع صعوبة المهمة المترتبة عليها، فتبقى الكلماتُ والأفكار جميلةً ما دامت لا تحمل في أحشائها فعلاً مترقب الولادة. وسوف أعطيك مثلاً لتتضح الفكرة:

هب أنني زرتُ أنا وعشرة من اصدقائي القدامى الخلص شاطئَ البحر وجلسنا نشاهد أسرابَ الطيور المهاجرة، وقال تسعةٌ منا: ما أقسى رحلة هذه الطيور التي جاءت من بعيد لتجد موطناً مؤقتاً لها محتملةً بعد المسافة وقلةَ الطعام. ثم قال عاشرنا: ما أجمل رحلة هذه الطيور التي رأت العجائبَ من البلدان والمحيطات في رحلةٍ جماعية، ثم حصلت على ما يكفيها من الغذاء واحتمت من برد الشتاء مدةً في شواطئنا. كلنا التسعة سوف نصفق للعاشر ونسعد باختلاف رأيه.

ثم التفتُ أنا للأمواج العاتية التي تضرب صخورَ الشاطئ وقلت: تباً لها من أمواج كانت تصيب أبي بالغم عندما تشتد فيخسر صيدَ السمك. قال البقية: هذه الأمواج هي التي يحتاجها الرياضي ليتمكنَ من ركوب ألواح التزحلق فوق الماء. كلنا فرحنا، لكن كم تظن أن من العشرة سوف يتعاون في بناءِ سدٍّ يمنع تدفق الأمواجِ فوق الصخور نحو البيوت القريبة؟ ربما ليس أكثر من واحد في أفضل الاحتمالات!

لهذا كانت مهمة الأنبياء شاقة حين كانت تتعدى التصديق والإيمان النظري وتطالب المجتمعات بالتحول من سيولةِ الكلمات إلى صلابة الأفعال. ولحثِّ البشر نحو وجهةٍ واحدة وضعت السماءُ أهدافاً واضحةً وكبيرة يجتمع عليها أكبر عددٍ من البشر. فلو تمعنا فيما قال الإمام علي ابن أبي طالب : ”أَلاَ وَ إِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا وَ لاَ كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا“، لرأينا فيها وجهةً واحدة محددة المعالم للنجاة!

ميزة نادرة وطاقة لا متناهية لا بد أن يتمتع بها القادة وهي القدرة على خلقِ فكرةٍ واحدة يرى فيها أكبر عددٍ من الناس مصلحةً في اتباعها أو ضرراً في التخلف عنها، ثم إيصالها إلى عقول من يرغبون في قيادته.

مستشار أعلى هندسة بترول