آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 7:42 م

هل نعيش السعادة أم نكتفي بتوثيقها؟

فاضل العماني * صحيفة الرياض

يبدو أن لكل عصر أدواته ووسائله الثقافية التي ترسم ملامح حياة أفراده وجماعاته وتُشكّل تجاربهم وخبراتهم. ولا شك أن هذا العصر الذي نعيشه هو ”عصر الصورة“ بامتياز، وتلك حقيقة دامغة لا يمكن القفز حولها أو التقليل من تداعياتها. فالصورة الآن تتصدر المشهد الكوني وتحتل المراكز المتقدمة في مصادر المعرفة وتكوين الفكر وصياغة الوعي، للأفراد والجماعات.

وقد أثبتت الدراسات والأبحاث العلمية المرموقة، أن النسبة العظمى من المعارف والثقافات والخبرات التي يكتسبها الإنسان في الحياة تكون عن طريق حاسة البصر، وهنا تكمن قيمة وأهمية وتأثير وخطورة الصورة في حياة البشر. وتُتقن الصورة تكثيف المحتوى المعرفي للمادة الملتقطة، وتُحوّلها إلى خطاب مرئي موشّح بالألوان والتفاصيل والتضاريس والأوصاف الحسية الواضحة.

تلك هي ”حكاية الصورة“ على مسرح الحياة التي نعيشها بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة. الصورة/الحكاية التي كنا نحرص على التقاطها لتوثيق اللحظات والأحداث والذكريات والمناسبات في ”ألبوم الذاكرة“ الذي يزدحم بالألوان والقصص والضحكات والذكريات. ولكن ماذا يحصل الآن؟، لقد أصبحنا مجرد ”مادة سخرية“ تلتقطها عدسات وسماعات شبكات ووسائل التواصل الاجتماعي. لم تعدّ للصورة تلك الوظائف والأدوار الجميلة، ولكنها اختزلت في وظيفة واحدة تكاد تُسجن في كادرها، وهي توثيق اللحظات في أجهزتنا الذكية فقط، دون أن نستمتع أو نعيش تلك اللحظات والذكريات والمناسبات، فتظهر الصور بعد كل ذلك الزيف والتصنّع والتكلّف باهتة وجامدة وخالية من الحياة. نحن باختصار نوثق/نصور الحدث ولا نعيشه.

لم نعد نشرب قهوتنا ساخنة كما اعتدنا؛ لأننا انشغلنا بتصويرها، فتبرد من طول الانتظار، وتبرد معها كل المشاعر والأحاسيس وكل الأشياء الجميلة. ولم نعد نقرأ تلك الكتب التي نتباهى باقتنائها، واكتفينا فقط بأخذ لقطات باذخة لأغلفتها وبعض صفحاتها البائسة. ولم نعد نفرح باكتشاف الشوارع والشواطئ والآثار والمتاحف والمسارح في المدن التي قد نستدين من أجل السفر إليها، ولكننا اكتفينا فقط ب ”سلفي“ لملامحها الخارجية المختلطة بوجوهنا الكبيرة التي تحمل تلك النظرات الكاذبة.

لقد تحوّلت حياتنا إلى صورة، مجرد صورة، ولم نعد نهتم بالتفاصيل الأخرى. الصورة هي محور نقاشاتنا وخلافاتنا، وهي الحكاية التي نتحلّق حولها، وهي البضاعة الرائجة التي نحرص على شرائها بأي ثمن، وهي ”السعادة المنشودة“ التي نبحث عنها.

ما أجمل أن نوثق لحظاتنا الجميلة التي تصنع بهجتنا وسعادتنا، ولكن الأجمل من ذلك هو أن نعيش تفاصيل هذه البهجة والسعادة. فرق كبير بين توثيق اللحظة وبين الاستمتاع بها.