آخر تحديث: 12 / 8 / 2020م - 11:45 ص  بتوقيت مكة المكرمة

روليت الحظ المميتة

بين السادسة والثامنة حين يذهب الطلاب والموظفون والباحثون عن الرزقِ إلى أعمالهم تذكرني طريقة انضباط الناس في شوارعنا بلعبةٍ خطيرة وهي ”الروليت الروسية“. لعبةٌ سهلةٌ جداً ولكنها مميتة:

هي لعبة حظ نشأت في روسيا. يقوم الشخص الذي يلعبها بوضع رصاصةٍ واحدة في المسدس، ثم يدور الإسطوانة التي يمكن أن تحملَ ست رصاصات عدة مرات بحيث لا يعرف ما إذا كانت الرصاصة ستنطلق أم لا، وبعدها يوجه المسدس نحو رأسه ويسحب الزند. فإذا وضع رصاصةً واحدة فإن احتمالَ موته هو 1 من 6 احتمالات، أي 16,7 %. تستخدم اللعبة في الغالب للانتحار أو إثبات الشجاعة. نشأت اللعبة في روسيا عندما لعبها الجنود الروس لإثارة بعضهم البعض. وتعتبر لعبة الروليت الروسي إحدى وسائل المقامرة وتكون بتحدي الشجاعة بين شخصين يتناوبانَ الإطلاق، لحين موت أحدهما، فيأخذ من نجا أموالَ الذي أطلق النارَ على نفسه.

في هذه اللعبة تكون المخاطرة الكبرى هي حياة اللاعب، وليس المال. هي لعبةُ صدفة وفتاكة وكلنا نلعبها عدةَ ساعاتٍ كل يومٍ، في شوارعنا وعند التقاطعات وفي الطرق السريعة، وكلنا ننشد: من يموت أولاً؟ نلعبها بسياراتٍ مزودة بمئاتِ الأحصنة وأطنانٍ من الحديد، ننطلق بها بسرعةٍ جنونية ومن لا يبتعد عن مسارنا تصيبه رصاصةُ الموت! الفرق بين لعبتنا والروليت الروسية أنها تقتل من يلعبها ومن لا يلعبها.

أما في حَاراتنا فهي أقرب إلى ”روليت الفكاهة“ بحيث من ينطلق أولاً ولا يصطدم بالآخر؟ ولكن عندما تكون الجهات أربع يرتفع احتمال إصابة اللاعب إلى 1 من 4، أي 25% فلابد أن ترى شخصين ينتظران في أحدِ التقاطعات على جانب الطريق.

أجمل وقت للعبة الروليت هو المساء حين يقود الصبية دراجاتهم النارية على إطارٍ واحد في تحدٍ للموت ينادونه: تعالَ أيها الجبان! لم أعرف واحداً لعب لعبةَ الحظ إلا وخسر فيها. كان عندي صديق قديم تواعد على لعبة الروليت الروسية في حرم الجامعة فمنعه الطلاب من اللعب. لم يمت في هذه اللعبة ولكن ألعاباً أخرى قربته من الموت.

الروليت الروسية هي لعبةُ انتحارية، لا يلعبها - بشكلها الحقيقي - إلا عدد قليل من الناس في الوقت الحاضر. وبقيت مصطلحاً لمفهومٍ يعبر عن إلقاءِ المرء بيده في التهلكة، ومخاطرة المرء بحياته أو بما لا يستطيع فقدانه في سبيلِ نزوةٍ وقتية أو مغامرةٍ غير محسوبة العواقب. لكن لعبتنا في الشوارع لعبةٌ غير قانونية وغير أخلاقية، وقاتلة وعبثية، نلعبها كلنا كلَّ يوم!

كم كان في ودي أن يتغيرَ المشهد فترى الناس يخرجون إلى وجهتهم باكرينَ بكور الطير سائرين في دعة، متوثبينَ ليومٍ آخر في الحياة، ينتظرهم الإبداع ثم يعودون كما ذهبوا؟ لكن هذا ما اخترنا اليومَ أن نكون، فهل يأتي يومٌ نختار فيه الحياة؟

مستشار أعلى هندسة بترول