آخر تحديث: 12 / 8 / 2020م - 12:39 م  بتوقيت مكة المكرمة

تحت السدرة

من منكم لم ير ولا يتذكر البيوتَ القديمة والأزقةَ الضيقة تزينها وتظللهَا أشجارُ السدر. كانت تقريباً في كلِّ بيتٍ وزقاق وبستان قبل أن تصبحَ ضرةً لأشجارٍ جديدة. بعيد طلوع شمس النهار تستحيل شجرة السدر إلى منتهى آمن للعصافير والحمام القمري تطرب زارعها حتى المغيب. أحبها العرب فسموا بها طرقات وبوابات ومعالمَ أثرية منذ القدم.

أهداني صديقي البستاني شجرةَ سدر عربية قبل سنتين. ما كنت أظن أنها سوف تنمو لأنها بقيت مدةً مكشوفة الجذور قبل أن أزرعها، لكنها كبرت وطاولت السماء في ارتفاعها. حملت ثمراً كثيراً في أشهرِ شتاء السنة الأولى ثم أكثر من ذلك في شتاء السنة الثانية. قلمتُ أغصانها بعد كل حمل وليس سوى أشهر قليلة وتنمو طولاً وعرضاً.

استهواني ثمرها وقلة حاجتها للعناية فاشتريت ثلاثاً أخريات من صنف آخر. كانوا أعواداً ضعيفة حين زراعتها. ثم كبرن في شهورٍ قليلة وغلظت سيقانهن وحملنَ ثمراً كثيراً في حجم التفاح الصغير. ظلال السدرة من أوفر الظل امتداداً، دائمة الخضرة ويقتات عليها النحل أحياناً كثيرة.

لا تستغرب من مقارنتي أنواع شجرة السدر بالإنسان. فكم من البشر خشن الملمس، كثير الشوك،   لكنه يثمر وينفع، وكم من الناس ناعم الملمس دون شوك لكن ثمره قليل. والأجمل من الصنفين من هو قليل الشوكِ وكثير الثمر.

مع أن ترابنا فقير من العناصر الغذائية والماء ملوحته مرتفعة وحرارة الصيف لا تسمح بنمو كثير من الأشجار إلا أن شجرةَ السدر البلدي دائمة الخضرة ومن الأشجار التي استطابت الأرض والماء والشمس كما استطاب الصحراءَ سكان الجزيرة العربية، ذات جذع قوي طويل يرتفع عدةَ أمتار وظلٍّ وارف رائعة الجمال وأوراقها كثيفة وسريعة النمو.

في أسواقنا أنواع كثيرة من ثمار الفاكهة القادمة من الخارج، وربما ليس النبق أفضل منها، لكنه فاكهة لا تخلو من القيمة الغذائية العالية. على كل حال، من ذا الذي لا يهوى شجرةً منقوع أوراقها برائحته الزكية يغسل جسده ويطيبهُ قبل الرحلة الأخيرة؟

ازرعوها وتمتعوا بثمرها وظلالها، إن أردتموها عربيةً أصيلةً كبيرةَ الحجم أو شجرةً غريبةً صغيرة.

مستشار أعلى هندسة بترول