آخر تحديث: 28 / 5 / 2020م - 11:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

مسكين.. ما عنده تأمين

محمد عبد الله العيسى * صحيفة الرأي السعودي

كم مرة تعرّضت سيارتك لحادث اصطدام وكان السائق الآخر هو المخطئ بنسبة 100 في المائة؟ كم مرة من تلك الحالات كان السائق الآخر ضعيف الحال ولا يملك قيمة تصليح سيارتك وليس عنده أي تأمين على سيارته، وربما لا يحمل رخصة قيادة ولا استمارة صالحة؟ هل تعاطفت معه؟ وكيف كانت طريقة تعاطفك معه؟.

التعاطف مع الضعفاء صفة إنسانية جميلة ولكنها ينبغي ألا تكون على حساب ظلم أناس أبرياء آخرين، من الأخطاء الأخلاقية الشائعة في مثل هذه الحالات أن صاحب السيارة المصدومة يصادف أن يكون عنده تأمين شامل، وانطلاقًا من تعاطفه وحنانه على الطرف المخطئ ضعيف الحال، تراه يقوم ببعض الحيل وتغيير بعض الحقائق لكي يبدو أثناء التحقيق في الحادث وكأنه هو الطرف المخطئ، لكي تقوم شركة التأمين المتعاقد معها بتحمل إصلاح سيارته وسيارة الطرف الآخر المخطئ.

ولو سألتَ هذا الإنسان عن المبرّر الأخلاقي لمثل هذا التحايل لقال لك بكل براءة وسذاجة «شركة التأمين أقوى من هذا المسكين».

ما ينبغي أن يدركه الجميع هو أن أي شركة ما هي في النهاية إلا أموال وحقوق لأناس أبرياء آخرين، وهؤلاء الناس لم يساهموا بأموالهم في تلك الشركة إلا أملًا في تحقيق الربح وتنمية تلك الأموال، ونحن عندما نتسبّب - بسذاجة - في تحمّل شركتهم لخسائر جائرة فإننا نقوم بظلمهم وانتهاك حقوقهم جميعًا، فكيف يجوز لنا أخلاقيًا أن نرحم إنسانًا واحدًا بظلم مئات أو آلاف الناس الآخرين؟.

وبالطبع فليس كل التحايل الذي قد يُمارَس ضد شركات التأمين هو من أجل الرأفة بإنسانٍ آخر، بل قد يكون من أجل التهرب من تحمل المسؤولية والدفع من الجيب الخاص، ولكن الخطورة في هذا النوع من التحايل الذي يُمارس من أجل الرأفة بمسكين، تكمن في أننا عندما نمارسه فإننا لا نشعر بالذنب، بل قد نشعر بالفضيلة لأننا نظن أننا نرحم إنسانًا مسكينًا يستحق الرحمة.

وخلاصة القول هي أن من يريد أن يتعاطف مع أي مسكين لا يحمل أي تأمين فله ذلك، ولكن عليه أن يتحمّل تبعات تصليح سيارته من جيبه الخاص وليس على حساب آلاف الناس الآخرين الغافلين.

نحن مسؤولون أمام الله عن عهودنا وعن مواثيقنا، ومنها عقودنا مع شركات التأمين، فإنها أمانةٌ في أعناقنا، فالعقد هو سنة المتعاقدين.

توستماستر متميز وبطل الخطابة الفكاهية في الخليج والسعودية 5 مرات