آخر تحديث: 7 / 6 / 2020م - 6:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المنشدون الدينيون.. صوت الذات المكسورة!

حسن المصطفى * صحيفة العربية نت

”مرشحون من طراز خاص، في الانتخابات البرلمانية المقبلة“، خبر أبرزهُ موقع ”جادة إيران“، في 13 فبراير الجاري، مستندا لترجمة تقرير نشر باللغة الفارسية، في صحيفة ”آرمان ميلي“ الإصلاحية، جاء فيه ”ثمة فئة لم تكن تحسب على التشكيلات السياسية في السابق، تحاول اليوم التقدم بقائمة انتخابية خاصة، من بينها المنشدين وقارئي العزاء، والذين سبق أن تم توظيفهم كقوة سياسية في عهد الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد“.

هذا الخبر يقود إلى التساؤل عن دور المنشدين الدينيين، في توجيه الرأي العام، وبناء مخيال جمعي، خصوصا لدى طبقة ”الملتزمين“، الكلاسيكيين منهم، أو حتى المسيسين!.

رغم أن الخبر يتحدث عن الانتخابات الإيرانية، إلا أن حضور المنشدين، ليس أمرا متعلقا بإيران وحدها، فهو يتجاوزها إلى عموم منطقة الشرق الأوسط، التي تحتضن شريحة واسعة من المتدينين، باختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم العقدية. وهذه الشريحة من الناس تتأثر بالمنشدين، بدرجات مختلفة، تتفاوت من بيئة لأخرى، وبناء على نوعية الخطاب الممارس، ومستوى وعي الفرد.

”حزب الله“، ”الحشد الشعبي“، ”كتائب أبو الفضل العباس“.. وأيضا ”القاعدة“، ”داعش“، ”الإخوان المسلمون“، ”حماس“.. هذه التنظيمات الدينية - العسكرية، رغم تباينها الطائفي والفكري، إلا أن المتتبع لها، يجد ضمن أدبياتها، العديد من الأناشيد، والتي لها وظيفة أداتية محددة: شد عصب الجماعة، تجنيد المقاتلين، وخلق روح حماسية تدفع أصحابها إلى أن ”يسلموا تسليما“!.

على مدى سنوات بات ”المنشدون“ يحتلون مكانة أكبر في البيئات المسلمة المحافظة، ساعدهم في ذلك جمال الصوت، وإتقان الألحان، ومخاطبتهم العواطف، كما توظيفهم للتقنية ووسائل التواصل الاجتماعي، ما جعل تأثيرهم يمتد لا شعوريا يوما بعد آخر.

بعد أحداث الربيع العربي 2011، وتصاعد وتيرة الصراع المسلح في أكثر من دولة، والنبرة الطائفية التي صبغت العديد من الخطابات، كان للمنشدين دور رئيس في شد عصب ”الجماعة“، وخلق روح مذهبية أقلوية إنعزالية، تشعر أصحابها باللحمة العضوية مع المتشابه، ناسجة شبكة أمان نفساني، كون هؤلاء المنشدون استحالوا ”رموزا“ نالت شهرة واسعة. كيف لا وهم الآن ”صوت الطائفة“ الصادح بعقائدها، والمدافع عن أهلها، والكاشف لعور وعوز ”الأعداء“.

في غمرة هذا الصراع المذهبي، ساهم المنشدون، في رسم صورة ”منزهة“ عن الذات، وأخرى ”مدنسة“ عن الآخر. وهي الصورة التي تماهت مع صعود الخطابات الشعوبية واليمينية المحافظة. وهي بذلك تتقاطع مع مزاج سياسي وثقافي يرتاب من المختلف، بل يروم الفكاك منه وعزله!.

التحريض على الكراهية، لم تكن حدود هذا الخطاب المسيس، بل تعدى ذلك إلى الحظ على التهجير والقتل والقمع.

على الجانب الآخر، وضمن أدبيات التدين الكلاسيكي، كان ”المنشدون“ يعيدون تشكيل صورة ”المتدين“ وعقائده، وأفكاره حول الحياة الدنيا، وعن الجنة والنار، والعلاقة مع الآخر. أي أنهم باتوا جزء من بنية المنظومتين الفقهية والعقدية لدى جمهور واسع من الملتزمين.

المؤمنون الفرحون بمنشديهم، يرون فيهم أصواتا تحفز على الطاعة واجتناب المعصية، وهم بمثابة الدليل الذي يقود إلى النجاة. كيف لا وأسنتهم تلهج بالدعاء، والتسبيح والتقديس، والمدائح النبوية..

إذن، نحن أمام دور رئيس للمنشدين الدينيين: سياسيا، وعقائديا. وهي قوة ما كانت لتتعاظم، لولا وجود ضعف وتراجع في الشرعية السياسية، لصالح الشرعية الدينية. وأيضا، محدودية عملية التنوير والتحديث وبناء الدولة المدنية الحديثة في الشرق الأوسط، خصوصا مع تزايد الحروب والنزاعات الأهلية المسلحة.

على مستوى ”العقل الجمعي“، هنالك حبل سري يمتد إلى دور ”رجل الدين“ و”المطوع“، الذي هو جسر يقود إلى الإيمان في نظر جمهور من العامة. ورغم تنامي العلم وانتشار المعرفة، وتراجع دور رجال الدين، إلا أنهم يقاومون هذه الخسارات، ويسعون بكل جهد لتثبيت أقدامهم، ومد نفوذهم، وأحد أذرعتهم في ذلك ”المنشدون الدينيون“.

الخواء النفساني - إن صح التعبير - الذي أتى نتيجة رقمنة البشر، وانشغالهم بالميديا، جعلهم يقعون في ضرب من التناقض المرضي!. فبقدر ما هنالك أفراد حداثيون بالمعنى الشكلاني، هم رجعيون في دواخلهم، التي تشعر بالفراغ والقلق والكآبة. من هنا، كان اللجوء إلى الغيب والماورائيات، والتي إحدى أهم عرابيها هم ”المنشدون“.

ربما هو ”زمن الانحطاط الشامل“، بحسب نيتشه. وإلا كيف يمكن أن تصاغ العقائد عبر قراء العزاء ومفسري الأحلام. وأليس من غير المنطقي أن يتحول الدعاة إلى قادة مؤثرين وموجهين للرأي العام، يقدمون خطابا يدعي العلمية، وهو بعيد عنها كل البعد، ولا يتورعون عن الحديث في كل شيء: الدين، الأخلاق، السياسة، علم النفس..

إن من يبني المجتمعات هم أصحاب الكفاءات في مختلف المجالات العلمية والسياسية والاقتصادية وسواها.. وهؤلاء هم من يشكلون الرافعة الحقيقية لأي تنوير. أما أولائك المنشغلون بالندب والإنشاد، فمكانهم قاعاتهم الخاصة، التي يتربعون فيها على منابرهم، معتقدين أنهم أسياء العالم!.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
موافق القطيفي
[ القطيف ]: 18 / 2 / 2020م - 7:05 م
غاب عن الكاتب أن كثيرًا من المنشدين والشعراء كاتبي القصائد هم أكاديميون وأدباء وبعضهم حملة شهادات عليا.

المنشدون يقدمون (رسالة) بشكل ثقافة، فتمتزج نوتات اللحن بالكلمة لتوصل الرسالة التي يؤمن بها صاحبها عبر أسلوب فني أدبي، قد يعبر عن الحزن وقد يعبر عن الفرح، عن الفخر والحماسة وقد يكون عن السياسة.

هي شكل فني مشروع لمحاكاة الجماهير كما يشرع للكاتب الصحفي طرح فكرته في صحيفته، والمذيع في قناته وغيرهم.

لكن يبدو أن الحساسية هي تجاه تأثير الفن الديني في الجماهير

لكن لو أثرت قصيدة غنائية في رسم الحزن أو الرثاء على مجموعة شعبية ما، لما تكلم أحد !!

الرثاء الحسيني باقٍ ما بقي الدهر، فاسع سعيك
2
أم?
[ القطيف ]: 20 / 2 / 2020م - 11:07 ص
عجيب كلام هذا الرجل معظم مقالاته فيها نوع من الإستفزاز
وأحسنت أخي موافق القطيفي بالرد