آخر تحديث: 28 / 5 / 2020م - 10:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

رسالة سماوية

وسيمة عبيدي * صحيفة اليوم

رسالة سماوية لم يتوقع أحد أن تتحول لحلقة سيلفي «على مذهبك»، التي ناقشت حرمان الأجيال من حرية اختيار مذاهبهم، بعد أن تم تبديل مولودين في المستشفى، نتج عنه تربية ولد عائلة شيعية المذهب عند عائلة سنية، وولد عائلة سنية المذهب عند عائلة شيعية، والتي أثارت جدلا كبيرًا في المجتمع السعودي إلى واقع وحقيقة صادمة تعيشها المملكة اليوم، بعد كشف الستار عن أكبر عملية اختطاف حدثت قبل أكثر من عشرين عاما، حرمت على إثرها 3 أسر سعودية من فلذات أكبادها ومشاهدتهم وهم يخطون أولى خطواتهم، ينطقون أولى كلماتهم، يرسمون أول حروفهم، ويمارسون أولى هواياتهم! وقد تعرضت الحلقة للمتطرفين من المذهبين بطريقة كوميدية ساخرة أثارت حفيظة الكثيرين. لن يستطيع أحد، مهما حاول، وصف مشاعر أم فقدت طفلها بعد الولادة بساعات قليلة، وعاشت سنين طويلة لا تعرف حتى إن توفي أم لا يزال على قيد الحياة، تعيش كل لحظة في حياتها وهي تتساءل أين هو؟ هل هو بخير؟ كيف أصبح؟ ماذا يفعل الآن؟ هل يلعب أم هو تحت التراب؟ وتعود إجابات كل تلك الأسئلة عليها بصمت مطبق يجدد ألم الفقد.

وعلى الرغم من كمية الألم والمعاناة التي تحتويها القصة للمخطوفين وعوائلهم على حد سواء وحاجتهم الماسة لوقوف المجتمع بالكامل معهم في هذا الوقت الحرج وهم تحت هذه الضغوط النفسية والعصبية والعاطفية الشديدة إلا أننا نرى فشلا ذريعا في تعامل المجتمع والكثير من المؤسسات والصروح الإعلامية مع الحدث باحترافية وبإنسانية، ناهيك عن تدخلهم في أدق تفاصيل حياتهم الشخصية. مع أن صدمة المفاجأة لم تبرد بعد، لكن بدأت الأصوات تتعالى بخصوص المذهب الذي تربى عليه الشاب المخطوف موسى الخنيزي، وهل ستجبره عائلته على تغيير مذهبه؟ وما المذهب الصحيح؟ وماذا سيكون مصيره؟ وكيف سيتعامل مع عائلته التي تختلف مذهبياً عنه، وتمادوا لدرجة التساؤل عن المسجد الذي سيصلي فيه، متجاهلين وضاربين بكل سنوات الضياع والألم والحرمان التي عاشها موسى وعائلته عرض الحائط.

لقد عوض الله سبحانه أولئك الشباب عن سنوات الحرمان بحصولهم وانتمائهم لعائلتين بدل واحدة، ومن حكمته - جل وعلا - أن تكون عائلتا موسى من مذهبين كان ولا يزال الصراع بينهما محتدماً.

لقد شهدنا الكثير من الجهود الفردية والجماعية الساعية لدعم اللحمة الوطنية وتعزيز التعايش بين أطياف المجتمع وتقبل اختلاف الآخر، لكن في كل مرة كان قبح الأصوات العنصرية والطائفية يعلو ويطغى على تلك الجهود النبيلة. في الحقيقة، بالرغم من قسوة القصة إلا أن هنالك رسالة سماوية سامية من الإله القدير لا يسعنا إلا أن نقف مذهولين وممتنين لما تخبئه لنا في أعماقها من دروس ثمينة في الأمانة، الإنسانية، الحب، احترام وتقبل الآخر مهما كان الاختلاف، ودروس أثمن في المسؤولية الوطنية، الاجتماعية، الأخلاقية والدينية التي تعد رحمة لنا إذا ما فهمناها وتأملناها جيداً. ونحن بتكاتفنا نوجه رسالة شديدة اللهجة للمتشددين من جميع الأطياف والملل ممن يحاولون العبث بأمن هذا الوطن الأمن باستخدام سياسة فرق تسد، إننا وفي مواجهة كل المخاطر الاقتصادية والسياسية من حولنا لم يعد يهمنا إن صلينا مسبلين، متكتفين أو حتى واضعين أيدنا فوق رؤوسنا ما دمنا نصلي لإله واحد!