آخر تحديث: 28 / 5 / 2020م - 11:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

«تعليم السنع» وصناعة الكذابين

سراج علي أبو السعود * صحيفة الرأي السعودي

الجملة: ينتهي الكذب حينما ينتهي الخوف، هي كما أعتقد جملة مفيدة، هكذا إذن تتولد نزعة الكذب حينما يصبح سبيلًا للنجاة، وهكذا إذن تتولد هذه النزعة حينما يفقد الإنسان الحرية والأمان أو جزءًا منهما.

شخصيًا أتفق جدًا مع من يقول: يكفي أن أصنع طفلًا صادقًا لأصنع في المستقبل رجلًا صالحًا، تحقيق هذا الهدف لن يكون إلا حينما يؤمن الأب أنَّ قمع الطفل وإهانته تحت مسميات أيسرها «تعليم السنع» هو الخطوة الأولى والأخيرة في طريق الألف ميل لصناعة الرجل الكذاب، عند هذه النقطة يتشعب بنا الحديث قسرًا ليصل لمصطلح النفاق الاجتماعي، وهو ذلك العنوان الذي يتحقق حالما يمارس المجتمع نوعًا من الوصاية على أفراده، أقصد بالوصاية هو ذلك الفضول الذي يجعلهم ينتهكون حريات بعضهم والتطفل على ما لا يعنيهم بممارسة نوع من الضغوط الاجتماعية، تحت عنوان الحفاظ على العادات والتقاليد تارة، وتحت خصوصيات المجتمع النقي تارة أخرى، ليمنعوا الناس من ممارسة حرياتهم عنوة ولو من خلال جعلهم علكًا في ألسنتهم يتقاذفونهم بالغيبة والنميمة والبهتان.

أعتقد أنني أنتمي لجيل «صُنَّاع الكذابين»، هؤلاء هم أولئك المدرسون الذين أفرغت علينا نسبة منهم آلام الاحتلال الصهيوني لأراضيهم فتعلموا منهم شيئًا من طرق التعذيب التي مارسوها ضدنا، هناك كنا نقف رافعي الأيدي وعلى رجلٍ واحدة ووجوهنا مستديرة نحو الحائط حينما لا نحسن التمييز بين التاء المربوطة والهاء، وهناك كنا نتعرض للكثير من الصفعات حينما يجعلنا المطر مضطرين للتأخر لبضع دقائق عن الحضور، إذن لا مناص من الكذب لاختلاق أي سبب للنجاة، لا سيما والثقافة الاجتماعية حينها ترسل لهؤلاء الجلادين رسالة بليغة تمنحهم كل الصلاحيات لأخذ الأطفال لحمًا وإعادتهم عظامًا تحت مسمى «تعليم السنع».

دعني أنعطف لقصة حدثت أخيرًا لفتاة أعجبها أن تفحط بسيارتها في ساحة مغلقة، كيف تعامل المجتمع معها؟ نسبة ليست قليلة لاكتها بألسنتهم بشتى الأوصاف القبيحة، وهناك من قرأ الفاتحة بأسى على أجيال الطيبين.

هنا أقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعتقد البعض أنه يمارسه يصدق في كثير من الأحيان عليه تمامًا العكس، لأنه باختصار سوء أدب وفظاظة في القول وعدم حكمة في تناول الأمور، لكل جيل ولكل زمنٍ أخطاؤه، الحكمة هنا هي أن يحسن الآمر بالمعروف نشر مواعظه، أما الجهل أو ربما السذاجة فهما تمامَا ما يسهمان في تنفير الناس عن الدين والأخلاق السامية.

تروي القصة أن فتاةً من نصارى النمسا كانت تبيع نوعًا واحدًا من الحلوى بسعرين مختلفين، سألها سائل عن السبب فذكرت أنها اشترت كمية بسعر ما وحينما ارتفع السعر اشترت كمية ثانية، لذا رأت أن من الأمانة أن تبيع ما اشترته أولا بسعر منخفض بأقل من النوع الآخر، هذه النصرانية كانت تستطيع بيع الجميع بسعر واحد مرتفع ولكنها رأت الأمانة والصدق في غير ذلك، هذه الدرجة العالية من الخلق الحسن صنعه - كما أعتقد - أبوان لم يجيزا لأنفسهما تعليم ابنهما «السنع» بتعذيبه لان ملابسه اتسخت من اللعب في الشاطئ، ومدرسون لم يجيزوا لأنفسهم حمل بضع من جرائد النخل لتكسيرها على يدِ طالبٍ لم يُحسن إعراب الممنوع من الصرف، ومجتمعٌ لم يُجزْ لنفسه شتم بنت فحطت بسيارتها وإنزال شتى الأوصاف القبيحة بحقها، وحالما تبقى بعض شرائح المجتمع تخيف الآخرين وتجلدهم بشتى الطرق فإنها تساهم جدًا في صناعة الكذابين وتكاثر فطرياتهم المروعة باستمرار.