آخر تحديث: 28 / 5 / 2020م - 11:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

عيدُ الميلاد بين الحقيقة والزيف

محمد عبد الله العيسى * صحيفة الرأي السعودي

يعزّ علي أن تكون هناك شخصيات عاشت قبل قرونٍ عديدة ورغم ذلك فتاريخ ميلادها الدقيق معروفٌ باليوم والشهر والسنة، وأنني أنا، المولود قبل عشرات السنين فقط، مجهول تاريخ الميلاد، ولا أحد يعرف على وجه الدقة السنة، فضلًا عن اليوم أو الشهر الذي ولدت فيه.

تاريخ ميلادي الموجود في بطاقة هويتي ما هو إلا مجرّد تقريب «1 رجب» وهو منتصف السنة الهجرية، ويشترك معي في ذلك تاريخ كلّ من لا تاريخ دقيق معروفٌ لميلاده، وما أكثرهم.

هذا القهر المكبوت عندي بسبب جهلي وجهل الكل بتاريخ ميلادي الحقيقي ربما كان من الدوافع النفسية الخفيّة التي جعلتني أنظر ببرود وبلا مبالاة لفكرة عيد الميلاد لدرجة الحنق عليها، وهذا الموقف دفعني للتأمل أكثر في معنى هذه المناسبة.

لماذا يحرص الناس على الاحتفاء بذكرى ميلادهم؟ ولماذا يسمّيه بعضهم عيدًا؟ هل فعلًا ميلاد كل إنسان هو مناسبة سعيدة تستحق الفرح من أجلها؟.

ماذا عن أولئك الذين لم يُسعِدوا أحدًا في حياتهم قط؟ ماذا عن أولئك الذين كانوا مصدرًا للشقاء لوالديهم في طفولتهم ومثالًا للعقوق في شبابهم ولنكران الجميل في بقية حياتهم؟.

ماذا عن أولئك الآباء والأمهات القساة الذين أنجبوا أبناءً ثم تركوهم بلا رعاية أو رموهم في الشوارع بسبب أنانيتهم أو نزواتهم؟.

ماذا عن أولئك الأشرار الذين آذوا البلاد والعباد بشرورهم وبجرائمهم؟ ماذا عن أولئك الطغاة الذين تسببوا بهلاك الآلاف والملايين من البشر؟ هل يستحق هؤلاء وأمثالهم ممن تعست الأرض بقدومهم إليها أن يطلق على ذكرى يوم ميلادهم عيدًا؟

أتمنى أن يقوم كلّ مستعد للاحتفاء بذكرى ميلاده المقبل وهو يُعِدّ قائمة الاحتياجات والترتيبات لحفل عيد ميلاده، أن يقوم بإعداد قائمةٍ أخرى يستحضر فيها أسماء الناس الذين قام بإسعادهم وإدخال السرور عليهم في هذه الحياة، وأن يبدأ بسؤال نفسه عمّا إذا كان أسعدَ أقرب الناس إليه في هذه الحياة: أبويه وإخوته وزوجه وأبناءه وأقرباءه وأصدقاءه وجيرانه وزملاءه.

أتمنى أن يراجع نفسه ويتحقق من أنه يوجد في رصيد أعماله وإنجازاته من إسعاد مَن هم حوله ما يستحق لأجله أن يعتبر يوم ميلاده بشرى خير وفرحة لهذه الدنيا تشبه بشرى وفرحة العيد.

فإن كان كذلك وإلا فما أجدره أن يلغي ذلك الاحتفال وأن يعود إلى حياته ويصنع رصيدًا من الإسعاد يزيل به الزيف عن إطلاق كلمة «العيد» على ذكرى الميلاد.

توستماستر متميز وبطل الخطابة الفكاهية في الخليج والسعودية 5 مرات