آخر تحديث: 19 / 10 / 2020م - 6:34 م

صداقات مزيفة

ورد عن أمير المؤمنين : «من وادك لأمر ولى عند انقضائه» «غرر الحكم 8552».

ما أجمل ما يتحدث عنه أمير المؤمنين ألا وهو مقومات أسمى العلاقات الإنسانية «الصداقة»، ويؤصل لما تقف عليه من أعمدة الإخلاص والصدق والتفاهم من خلال مفهوم حكمته، ويحذر في المقابل من تلك النفوس المريضة المتصفة بالانتهازية، فيجعلون من الصداقة الجميلة ذات العمق الوجداني سلعة يعرضونها في مزاد النفعية.

من أسمى وأجمل ما يميز الإنسانية المشرقة هي تلك العلاقات التي تتصف بالاحترام والتفاهم والود ألا وهي الصداقة، إذ تعبر عن التقاء روحيين يحمل صاحب كل واحد منها هدف مساندة وإسعاد من ينسجم معه فكريا ونفسيا وثقافيا، من يشعر بالحديث معه وكأنه يتحدث همسا مع نفسه، فتنشج بينهما أقوى العلاقات وأمتنها لأنها قائمة على رؤية الآخر كنفسه لا يشح عليه يوما بشيء.

ومن أسس الصداقة الوفاء بينهما فلا يتخلى عنه يوما أو يقاطعه لمجرد سوء فهم أو خلاف بسيط، فالعهد الصادق بينهما أن يكون عونا له في خضم متاعب الحياة وصعوباتها، ولا يكون من أول المتخلين عنه والمولين أدبارهم سريعا مع أول هجمة بلاء تداهم صاحبه، فكما أن هناك من يحترم حقوق الصداقة ويلتزم بآدابها فلا يتخلى عن صاحبه في ساعة الشدة، هناك من يتخفى خلف قناع اسمه «الصداقة المزيفة» في سعيه خلف مصالحه الضيقة، ويجري خلف منافع يبتغيها بعيدا عن أهم أسس الصداقة وهو الوفاء والإخلاص، فليس لهؤلاء الانتهازيين من مبتغى سوى منفعة يجرون خلفها، وما إن تنقضي حتى ترى الواحد منهم يتسلل لواذا، تاركا خلفه صديقا يستغيث ويطلب مد يد العون في وسط لجاج أزمة ما، وأما التودد والعبارات المعسولة والوعود الوهمية بالوقوف بجانب صاحبه، ما هي إلا عدة شغل البحث عن المصالح ولو كان ذلك بتدنيس أسمى العلاقات وأجملها ألا وهي الصداقة بدناءة نفسه.

كم من إنسان ركن إلى الكلمات المعسولة من ثعلب بشري كذاب حتى صدم بانسحابه المفاجيء، وأخذ بطرح الأسئلة العديدة على نفسه حول العامل الذي أدى إلى هذه الفرقة غير المفهومة، ليأتيه الخبر الصادم بأنه قد أنجز مصلحة وانتهت، ولذا فعودته مجددا غير متوقعة بتاتا فهو يبحث عن منفعة أخرى في مكان بعيد عنه.

الصداقة الحقيقية القائمة على الود والتفاهم والانسجام لا تنفصم عراها، ويبقى وفيا لصديقه ويسانده في ساعة الشدة وإن تخلى عنه الكثير من الناس، وأما من يحاول استغلال هذه العلاقة الإنسانية الجميلة ويجيرها _ كبقية خطواته - نحو معيار الاستفادة من عدمها فهو تخلى عن ثوب إنسانيته.

وبالطبع فإن ماهية صفات هذا الصديق المزيف تهمنا في سبيل تجنب مثل هذه الأوبئة، فمما يميز المتاجرين بالصداقة صفة الأنانية وطغيان حب الذات السلبي، إذ لم يتعلم يوما لغة العطاء والتفاعل مع الآخر والإسهام في التخفيف عن هموم ومشاكل الآخر، كما أنه يجري باتجاه واحد هو البحث عن مصالحه النفعية ولا يبالي بما يسبب ألما لغيره، ولا توجد عنده صداقات دائمة فهو يجعلها كالموضات في الملابس يغيرها بين فترة وأخرى.

ولا يبدي الصديق المزيف اهتماما بحفظ خصوصيات وأسرار من يبوحون له بشيء منها، بل يجعلها مادة خبرية يعرضها ويتداولها مع الآخرين وكأنها أمر عادي، ولا تستغرب يوما من جعلها سلعة يتاجر بها ويسعى لتحصيل ثمنها وخصوصا ما بين المتخاصمين.

وفي تواصله مع من حوله وحديثه معهم لا يجري ذلك إلا وفقا لرغبة منه يتحصل من خلالها على مصلحة، ويبدي تململا وأعذارها وهمية يوم تسعى إليه طلبا لمساندته في ظرف صعب تمر عليه.

ومن صفاته الخوض في أعراض وشخصيات الآخرين دون ارعواء، فدراماه القصصية محشية بالغيبة والنميمة والنفاق الاجتماعي وبث الفتن والخلافات بين الناس، ولا يتردد أبدا في التخلص من أي مأزق أو موقف محرج بالكذب الصريح، وهذا ما ينعكس على انعدام مصداقيته في أي وعد يقطعه.

وإن حدثته يوما عما يهمك أو ما تخطط له مستقبلا أو ما حققته من إنجاز، يبدي برودا ولا يتفاعل مع مشاعرك المشحونة حينئذ بالنشاط، إذ لا تبرز منه أي حماسة للاستماع الجيد لما تقوله ويتشاغل بأي شيء، فضلا عن إحجامه عن إقحام نفسه في دور المساند والمحفز لك في تحقيق أهدافك وطموحاتك.