آخر تحديث: 19 / 10 / 2020م - 11:59 م

يوميات العزل الصحي «1»

أثير السادة

سيهات…خط الاتصال الذي انقطع

أولى ساعات الصباح، الطرق الرئيسة تضج بالحركة، السيارات التي تقطع طريق الخليج العربي مازالت تتجه جنوبا، الوقت لا يشبه مواعيد النزهة، واليوم هو أول أيام العزل الصحي بعد ليلة البارحة التي حسمت ساعات من الإشاعات الطويلة.

الجغرافيا الواسعة تضيق، مدينتي الصغيرة باتت الآن أصغر من ذي قبل، نمط الحركة على الطرقات يتغير شيئا فشيئا، كلما اقتربت من منافذ البلدة أدركت جدية الأمر، جهات أمنية عدة تتكفل بالتحكم في المداخل الرئيسة، لا البحر ولا النخل يهبانك الخروج. تختلط بزحام السيارات فتعلق عند نقطة أمنية يتفاوض عندها الناس، لا شيء مسموع، فضولك يطير بعيدا وهو يحلم بهمس يكشف له حديث الباحثين عن مخرج من حصار المرض.

بين سيهات والدمام إشارة، وشارع، لكنها في الجغرافيا الاجتماعية مسافة كافية لإيجاد حقول من التمييز بين المكانين، وطأة التاريخ كذلك توسع من هذه الخنادق العريضة للفصل بينهما، لم يمنح هذا التماس المباشر مع الدمام فسحة للتسوق والنزهة فقط، بل شجع التداخل الجغرافي بين المكانين، حتى انتهى إلى تحولات اجتماعية وثقافية يتأفف البعض منها، ويحمدها البعض الآخر.

سيهات بلا تضاريس معقدة، غير أن موقعها بين مدينتين كبيرتين، جعل من صورتها في حالة تنازع يصعب تسويتها، بين انفتاحها وانغلاقها، تسامحها وتزمتها، بين الاحتفاء بمحيطها والانعزال عنه.. وحده الاستقرار الاجتماعي كان يحرس اعتدالها في كثير من المحطات، ويدفعها للاحتفاظ بصورة مدينة منفتحة على البحر، مع شيء من طغيان الشعور بتفردها على تخوم الخريطة.

عند الإشارة الفاصلة بين سيهات والدمام يمكن أن تقرأ بعض العلامات الدالة على املاءات الجغرافيا في لحظات العزل، النظر إلى أسواق المنتزه وهي تمتلئ بالناس عند الصباح، فيما أسواق الدانوب على الذي يلي الإشارة بمسافة 500 متر يخلو من المتسوقين، يحدثك الباعة في هذا الأخير عن موجة المتسوقين ليلة البارحة والتي مسحت الرفوف من محاليل التعقيم، كل شيء يجري تحضيره لساعة الخوف من كورونا، قفزات ومعقمات مجانية للمتسوقين، فيما الباعة يتحصنون بأقنعتهم في الداخل، ولا حركة تذكر في ساعات الصباح.

للتاريخ قيمة كما للجغرافيا، وفي هذا الحصار كانت حتمية الجغرافيا هي الأقوى، فالمرض لا يعترف بالتاريخ ولا الخرائط، بل بهذه الجغرافيا الاجتماعية التي تصنع هوية الناس، وتهبهم سحنة مشتركة.