آخر تحديث: 5 / 4 / 2020م - 8:00 م  بتوقيت مكة المكرمة

مراجعة نقدية للمشروع النهضوي العربي

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

منذ أكثر من عقد من الزمن، بدأنا الحديث عن ضرورة إعادة صياغة المشروع النهضوي العربي، باعتبار ذلك أمراً جوهرياً وملحاً، إذا ما عقد العرب العزم على أن يأخذوا مكانهم في مسيرة التاريخ الصاعدة. وأشرنا، في هذا السياق، إلى الدور الكبير والمهم، لمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، من حيث اضطلاعه بهذه المهمة، وعقد ندوات ومؤتمرات مكثفة، لمعالجة القصور في هذا المشروع. لكننا نزعم في هذا الحديث، أن مشروعاً متكاملاً لمستقبل النهضة العربية، لم يتبلور بعد.

لدينا محاولات عدة لبعض المفكرين العرب، لمعالجة بعض جوانب القصور في هذا الفكر، لعل الأبرز بينها كتابات الصديق العزيز عبدالإله بلقزيز، وعبدالله العروي، ومحمد عابد الجابري، لكنها لم تتناول مشروع النهضة بشكل شامل؛ بل عالجت، وذلك يحسب لها بالتأكيد، بعض جوانب القصور فيه. وذلك ما يحرض على العودة للدعوة مجدداً إلى العمل على تقديم مراجعة نقدية شاملة لفكر المشروع، ورسم آفاقه المستقبلية، بما يخدم قضية الأمة، في مرحلة لعلها هي الأصعب، منذ بزوغ عصر التنوير العربي.

انطلق المشروع النهضوي العربي، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع بروز حركة اليقظة العربية. وقد أرخ لهذه الحركة، نجيب العازوري وجورج انطونيوس، ومحمد عزة دروزة. لكن التنظير للفكر القومي بشكل أعمق برز مع كتابات ساطع الحصري، ولاحقاً مع زكي الأرسوزي وميشيل عفلق وصلاح البيطار ومنيف الرزاز، وقسطنطين زريق وعصمت سيف الدولة، وغيرهم ممن لا تحضرني أسماءهم في هذه العجالة. ومعظم المفكرين الذين نظروا للحركة القومية، برزوا في فترة ما بين الحربين العالميتين، وأيضاً في حقبتي الخمسينات والستينات. ومنذ ذلك الحين حتى يومنا هذا سالت مياه كثيرة.

تأثرت الدراسات التي نشرت في حقبة ما بين الحربين، بالكفاح الوطني ضد الاستعمار، وكان تراثها هو جزء من تراث حركة التحرر الوطني العالمية. وفي حقبتي الخمسينات والستينات، تأثرت تلك الكتابة، بقضايا الحرية والعدل الاجتماعي. وكان للحرب الدائرة بين المعسكرين، الرأسمالي والاشتراكي.

وبديهي القول، إن اتجاهات تلك الدراسات والبحوث مالت أكثر إلى المعسكر المعادي للاستعمار، وذلك أمر طبيعي، طالما أن المواجهة العربية الملحمية، كانت في محاولة للتحرر من نير الاستعمار الغربي.

ووجه المشروع النهضوي العربي، بنكسات عدة، نتيجة لأسباب داخلية وخارجية. من بين الأسباب الداخلية، الصراعات العنيفة، بين القوى الوطنية ذاتها، التي توحدت في مرحلة سابقة، ضد المخاطر الخارجية، ومن بينها فشل مشروع الوحدة، ونكسة الخامس من يونيو/حزيران 1973م، والانتقال الاستراتيجي في الرؤية للصراع العربي - الصهيوني.

ليس من غايتنا هنا، التقليل من الجهود الفكرية التي بذلت في حينه، لمعالجة حالة الوهن التي مني بها الفكر العربي، وبالتالي مشروع النهضة العربية، لكنها كانت مجتزأة؛ بحيث لم ترق لتقديم مشروع مستقبلي، لتجاوز الواقع الذي عاشته الأمة في تلك المرحلة.

لقد أشرنا في مقالات سابقة إلى أن إحدى معضلات المشروع النهضوي العربي هو تغليب أحد عناصرها على العناصر الأخرى. فقد غلبت في مرحلة الاستقلال الوطني قضية الحرية والاستقلال على عناصر النهضة الأخرى، من تنمية وعدالة اجتماعية وتجدد حضاري. وحين تم إنجاز الاستقلال انتقل الفكر العربي من النقيض إلى النقيض، مغلباً قضايا العدل الاجتماعي على قضيتي الديمقراطية والحرية، والنتيجة أن تغليب أحد عناصر النهضة على ما عداه، قد أدى إلى شلل المشروع، وإلى تعطل إنجاز جميع مكوناته، بما في ذلك العناصر التي أخذت حيزاً كبيراً فيه.

الآن، وقد مرت عقود كثيرة، منذ بدأ الحديث عن هذا المشروع، واتضحت عناصره، ينبغي إعادة قراءته على ضوء التحولات الكونية، السياسية والعلمية التي جرت منذ سقوط حائط برلين في نهاية الثمانينات من القرن المنصرم.

فعلى الصعيد السياسي، برزت الأحادية القطبية، وهي الآن في طريقها للأفول. وسادت فوضى وحروب أهلية، في عدد كبير من الأقطار العربية. ولم يوجد نموذج عربي رائد يتبنى مشروع النهضة العربية، ويدافع عنه. وبات الصراع العربي مع العدو، بالأقل على الصعيد الرسمي شيئاً من الماضي. واليوم يقف العرب عاجزين وغير موحدين أمام صفقة القرن.

وعلى الصعيد العلمي، برزت ثورات غير مسبوقة في البيولوجيا والثورة الرقمية، وتشكيل العقل العربي من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. وجميعها تحتم التوجه السريع نحو إعادة صياغة المشروع برؤية نقدية وجرئية، لكي لا نكون على هامش التاريخ.