آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:22 ص

الكتابة بوصفها فعل مقاومة

محمد الحرز * صحيفة الشرق السعودية

هناك سببان رئيسيان يجعلان من مفهوم الكتابة وما يتعلق به من مواضيع بالنسبة لي محطَّ الاهتمامِ الذي لا تخفُّ وتيرتهُ، ولا يهدأُ هاجسُه.

أولهما ذاتي يتعلق بالحفر العميقِ الذي مارسه تصوري للكتابة منذُ اشتغالاتي الأولى بالفكر والأدب. هذا التصورُ لا أعرف كيف تسرب إلى طبيعة تفكيري، أو عن طريق أيِّ قوة احتشد في حواسي؛ حتى سدَّ على نفسه المنافذ كلها. لكن كلَّ ما أعرفه الآن أنه يمثلُ إحدى الركائز التي لا تنفك تؤثر، بطريقة أو بأخرى، على ما عداها من مواضيعَ، أشتغلُ عليها، سواء في الفكر والفلسفةِ أو الأدب والإبداع.

ثاني السببين، هو موضوعي، يتصل بما يمكن تسميتُه بالحلم الطوباوي الذي يراودُ كلَّ كاتب، في أن تتخلص الكتابةُ، منذ انتشارها في الحضارة المعاصرة، من جميع روابطها التي تشدها إلى السلطة والأيديولوجيا؛ كي تعودَ مرآة صافيةً، لا تعكس سوى صفاء الإنسان في علاقته بالطبيعة الأم. هو حلم يصعب تحققه، في ظل تاريخ الإنسان المثقل بالحروب والعداوات. لكنه يزدادُ أهمية في ثقافتنا المعاصرة، كونه يتيح الفرصة لكل مبدع ومفكر وناقد وفيلسوف أن يصنعَ معرفة، ترتكز على بناء الحوار، وترسيخ مفهوم الاختلاف، ولا تخضع فيها إلا للشرط الأخلاقي للكتابة فقط، وهذا الشرطُ يستبطن في داخله كلَّ المبادئ والقيم التي نسعى في الوقت الحالي، إلى تحقيقها، من قبيل: الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعقلانية في التفكير والتربية، وتشريعُ القوانين والمؤسسات المدنية. وهذا، في ظني، يكفي كي نجيل النظر في موضوع الكتابة مرات ومرات، ويدور حولها الحوارات والأمسيات.

انطلاقاً من قناعتي بهذه الأهمية للموضوع، سأركز فيما يلي من المقالة على توجهات في التاريخ الإسلامي، قادت إلى تحولات على مستوى المجال الكتابي كانت تدل دلالة قاطعة على فعل احتجاج ومقاومة ضد أشكال التعسف والظلم الاجتماعي التي نمت في أجوائها مثل هذه التحولات أو التوجهات.

لقد رسم لنا التاريخ صورة، لا تخلو من معنى، للقرن الثالث الهجري في بغداد، منذ مجيء العباسيين إلى لحظة اغتيال المتوكل، كان الاستقرار الذي أقامه النظام، فسح في المجال، للاقتصاد والزراعة والتجارة بالازدهار، وأيضا بتفشي حياة البذخ وبناء القصور، إذ لم يستفد من هذه الحياة سوى طبقة قريبة من سلطة البلاط. بينما عامة الناس ظلت مسحوقة ومحرومة تحت وطأة النظام وجبروت أتباعه. مما شهد ثورات عديدة، منها ثورة الزنج، والقرامطة، كما هو معروف للجميع.

للجاحظ الذي عاش حدود منتصف هذا القرن، ملاحظتان جديرتان بالتأمل، لما لهما من دلالة، بذات وبموضوع.

الأولى حين قرر في كتابه «البيان والتبيين» أن الشاعر أصبح أدنى منزلة من الخطيب، بسبب مكانة هذا الأخير، والمهام المنوطة به، في إدارة شؤون الدولة.

الثانية هي الواردة في رسائله، حيث يتحدث من خلالها عن قضية الانتحال، ويعترف أنه ألّف بعض الكتب، ونسبها إلى غيره من المؤلفين المشهورين السابقين عليه، حتى يأخذ الكتاب مشروعيته من سلطة القدماء، وبالتالي حظه في الانتشار والأهمية، وفي نفس الوقت لا تطوله يد الحساد والمناوئين له، إذا ما نُسب إليه الكتاب.

ما دلالة هاتين الملاحظتين؟

أولاً: دائرة المرجعية والتأسيس، في العلوم الدينية والفكر والأدب، قد استحوذت عليها نصوص القدماء، ولم يكن لنصوص المحدثين أيُّ قيمة تذكر إزاء هؤلاء، إلا بعض الاستثناءات.

ثانيا: لم يدخل الشعر أو الشعراء، ضمن هذه الدائرة، إلا لتبيان ما هو غامض في فروع اللغة، وما يدعم موقف هذا العالم، أو ذاك، في مسائل تخص علوم القرآن، من بلاغة ونحو وإعجاز.

ثالثاً: صراع الخطيب والشاعر، هو في عمقه صراع الأشكال الكتابية، ومحاولة فرض سيطرتها بأدوات السلطة.

رابعاً: خفوت وظيفة الشعر، لا يعني خفوت قيمته الاجتماعية أو السياسية أو الأدبية.

لذلك برزت مقاومة على هيئة أشكال كتابية، كانت تعبّر بشكل ضمني عن حياة الضفة الأخرى، حياة هؤلاء الكادحين والمحرومين من الناس. ولم يكن جنس المقامة، الذي ولد في آخر القرن الثالث، على يد بديع الزمان الهمداني وتطور في القرن الرابع، سوى أحد الأشكال المناهضة للكتابة الرفيعة، التي ارتضتها السلطة لنفسها، وقربتها إليها. إنه الجنس الكتابي الذي حاول أن يزيح أدب النخبة، ويبدلها بأدب الواقع المعيش، كما حاول في نفس السياق، الشاعر أبو نواس، ولكن بسخرية لاذعة، من خلال أشعاره، أن يتهكم على منظومة القيم الأخلاقية والدينية والروحية، التي تستند إليها السلطة، في إضفاء المشروعية، على سلطة القدماء وموروثهم الكتابي.

أخيراً دعونا نتساءل عن وجه الاختلاف والتشابه بين مفهوم الكتابة بوصفها فعل مقاومة في الثقافة الإسلامية، وبين المفهوم ذاته في الثقافة الغربية؟

أولاً: الكتابة بوصفها فعل مقاومة، تشكل الإطار الجامع بينهما، رغم تباين السياقات الثقافية والفكرية والروحية والدينية.

ثانياً: فعل المقاومة، في السياق الإسلامي، دائما ما تأتي كتابته ضد هيمنة السلطة والحكام، والسلطة الاجتماعية الدينية.

ثالثاً: الكتابة بوصفها فعل مقاومة، عند الغرب انقلابية ضد نفسها، أي أنها تعيد نفسها في النظر والواقع العملي.

أما مظاهر الاختلاف، فأعتقد أن مفهوم الكتابة، في تصورات الثقافة الإسلامية، لم يتجاوز حقل اللسانيات وعلوم البلاغة «لا يمكن الركون إلى هذه المقولة بإطلاق، لقد أثبتت الدراسات اللغوية الحديثة المقارنة ظهور مقولات ومواضيع متعددة، لها جانب كبير من الأهمية، بالنسبة للدراسات الحديثة، في خطابنا التراثي النقدي. ومقولة أبو العباس القلقشندي في كتابه «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» أن الخط مقدم وأفضل عنده من اللفظ، لأن الأول يفهم الحاضر والغائب، بينما الثاني يفهم الحاضر فقط، لهي دلالة على التناظر بينها، وبين المبدأ الذي ترتكز عليه نظرية التفكيك في الفلسفة المعاصرة» بينما في الفكر الغربي، من خلال هذا المفهوم، طورت الفلسفة من أدواتها النقدية، وارتادت مناطق في التفكير، لم تكن لترتادها، لولا ضخ هذا المفهوم بدلالات ومعانٍ جديدة.