آخر تحديث: 7 / 4 / 2020م - 4:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

كورونا - البعد اللغوي

الدكتور أحمد فتح الله *

استخدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأول مرة على موقعه على تويتر الأسبوع الماضي «الثلاثاء 17 مارس 2020» عبارة ”الفيروس الصيني“، مما زاد من الاحتكاك بين أكبر اقتصادين في العالم حيث يحاول كل منهما صرف اللوم عن نفسه كمنبع الوباء. الرئيس ترامب، الذي وصف المرض في السابق بأنه ”فيروس أجنبي“، في تغريدته المذكورة آنفًا كتب: ”ستدعم الولايات المتحدة بقوة الصناعات، التي تتأثر بشكلٍ خاص مِنْ «الفيروس الصيني»، مثل الخطوط الجوية وغيرها“. وصفُ كورونا ب ”فيروس صيني“ هو في الأصل لأحد أفراد القاعدة الشعبية «المؤيدين» للرئيس ترامب، الذي استخدمها بدوره في تغريدته هذه.

وحين واجهته مراسلة إحدى القنوات التلفزيونية، الجمعة 20 - 3 - 2020، أجابها، باختصار وبثقة عنيدة وفجة ”[كورونا] قادم من الصين“، وكررها... ”قادم من الصين“. هذه الإجابة تبين التوصيف، لغويًا، لكنه في عرف السياسة هو اتهام واضح للصين في التسبب في الوباء العالمي. هذا الفهم، يؤيده اللغويون المهتمون بأمور ”اللغة“، المعروفون بعلماء اللغويات، أو اللسانيات. وردت الصين، بعد أيام، وهو أمر طبيعي ومتوقع، وباللغة الإنجليزية عن طريق الإعلامي ”يو زو“ «Yue Zou»، في برنامج ”زووم - إن“ «Zoom - in»، وهو موجود في موقع اليوتيوب على الشبكة العنكبوتية، سبقه طرد المراسلين لثلاث من أكبر وأهم صحف أمريكية، ”نيويورك تايمز“ و”وول ستريت جورنال“ و”واشنطن بوست“، من الصين يوم الأربعاء «17 مارس2020».

هذا التوتر، حول ”اسم الفيروس“، هو صدام لغوي بامتياز، اذ تسمية الأشياء صناعة لغوية. رغم أنه أمر لافت للمهتم بأمور اللغة، إلا إنه صدام في خلاف أوسع بين أكبر اقتصادين في العالم يتراوح بين التجارة والمنافسة العسكرية إلى معدات الشبكات التي تنتجها شركات عالمية، كشركة هواوي الصينية.

ليس مجرد خلاف على اسم

”الخلاف اللغوي“ حول تسمية هذا الوباء بين الصين وأمريكا، مؤشر إلى ما يعرف ب ”الحروب اللغوية“، أو ”حرب اللغات“، هو من مواضيع علم اللغة الحديث «الألسنيات»، خاصة التطبيقي، مع تعاون بعض الفروع الأخرى كالاجتماعي، بتناول الموضوع من خلال ”التخطيط اللغوي“، انطلاقًا من مسائل ”تعليم اللغة“، ودور اللهجات العامية واللغات الإثنية، والهوية. وهنا أمرُّ سريعًا مُخْتَصِرًا كتابًا مِنْ أهم ما نشر حول هذا الموضوع، كنبذة موجزة عن مفهوم حرب اللغات. هذا ليس فقط مِنْ أجل الثقافة المعرفية، عن موضوع لا يهتم به إلا المتخصصون في دراسة اللغة، بل لنفهم جميعًا أن كلِّ حدث، هو متعدد الأبعاد، وتناوله من مختلف الرؤى، كُلٌّ بمعارفه ومنهجيته، يؤدي إلى تكامل فسيفساء الصورة فتتضح أكثر، مما يؤدي إلى التحكم فيه والتغلب عليه.

حرب اللغات

يعتبر لويس جان كالفي في كتابه ”حرب اللغات“ أن العالم منذ ولادته كان متعدد اللغات والألسن، وعليه، في رأيه، أن هذه الحروب محفورة في فجر التاريخ البشري، فحرب اللغات هي حرب حقيقية، تكون باردة مرة، وساخنة مرات، وأن تعدد اللغات هو أمرٌّ قديم في تاريخ البشرية.

ينفي كالفي بقوة أسطورة الأصل الواحد للغات وأسطورة التفوق لبعضها، وهي الأساطير التي تأسست عليها سياسات لغوية عنصرية، كاعتبار التعدد اللغوي ضربًا لهوية الدولة، حتى إلى زمن قريب. وعبر استعراضه لعشرات الأمثلة حول العالم، ينفي كالفي الوهم الشائع بتطابق الحدود اللغوية مع حدود الوطن، ويُبَيِّن أنه يكاد لا يوجد بلد أحاديّ اللغة، ولا تكاد توجد لغة في ذات الوقت محصورة في بلد واحد.

يستمر كالفي في استعراضه للسياسات اللغوية في عدد كبير من البلدان حول العالم، كما يتحدث عن الأسباب السياسية والاقتصادية والدينية والعسكرية الكامنة خلف انتشار لغة من اللغات دون غيرها، مُسْتَشْهِدًا بدول أمريكا الجنوبية وتبنيها للغة الإسبانية. وىُبَيِّن أيضًا أن كل ظاهرة من الظواهر اللغوية المدروسة في التخطيط اللغوي وفي السياسة اللغوية وجه من وجوه الحرب، ومحاولة من السلطة القائمة لقهر الجماعة اللغوية المناوئة لها.

بهذا المعنى لا تكون السياسة اللغوية إلا وجهًا من وجوه القهر والصراع على السلطة، سواءً أكان هذا الوجه ظاهرًا أم مخفيًّا، أو مزيجًا من الصفتين. فاللغة هي من أبرز مكونات الهوية، وفي كثير من الحالات هي مُقدَّمة على الدين. ويبدو، تحت وطأة الانسياق الجماعي، تتكون كتل لغوية جديدة وتؤسس اختلافها عن الآخر ومعه، لإن مفهوم الهوية في الأساس يفترض وجود اختلاف مبدئي مع هويات أخرى حتى على مستوى الوطن الجامع.

فالمسألة اللغوية تعتبر من القضايا المرتبطة مباشرة ب ”القضية الإثنية“، وب ”قضية الأقليات“. فتستمر المعارك في حرب اللغات بسبب تغير الظروف السياسية وتبدل المعادلات فتأخذ مسارًا جديدًا حسب مواقع أطراف اللعبة السياسية.

والمنتصر في هذا الخلاف الأمريكي - الصيني الحالي هو مَنْ سيحدد مصطلح كورونا لغوىًّا، اسمًا أو صفةً، ”الأمريكي“ أو ”الصيني“، ولربما على قبول المسمى الطبي المتداول، وتأكيده دوليا، أو على اسم علمي «أو طبي» آخر، وربما يتفقا على دولة ثالثة، لأن في السياسة ليس هناك عداوة دائمة أو صداقة دائمة، بل الدول، كبيرة أو صغيرة، تدور علاقاتها ما دارت مصالحها. وقد تكون تلك الدولة من دول الشرق الأوسط، مثلًا، ويُعلن ”لقد أثبتت الدراسات والأبحاث الطبية والاستخباراتية أنَّها مصدر الوباء“ وانتقل منها إلى الصين، ثم إلى أمريكا عن طريق، دولة رابعة، من أمريكا اللاتينية أو أوروبا، إيطاليا، مثلًا المنهكة من هذا الوباء. فيصبح ”الفيروس الإيراني“ أو ”الفيروس الإيطالي“، وتعود ”اللغة“، من جديد، عن طريق الإعلام أولًا، أداة الصراع الجديد. وهكذا دواليك.

هذه كانت نبذة موجزة عن المفهوم العام لحرب اللغات، وفي مقال قادم إن شاء الله سيتم التطرق إلى بعض المفاهيم الأخرى المرتبطة به وفيه، وطبيعة الصراع اللغوي وآلاته.

تاروت - القطيف