آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 7:55 ص

يوميات العزل الصحي «18»

أثير السادة

المدينة المعزولة تفتح عينيها هذا الصباح على وعود المطر، سماء غائمة، ورياح تنشط بين الفنية والأخرى، الأفق الذي تلبد بالصمت طيلة الليل، عاد ليمتلىء بأصوات العصافير، ورفيق أجنحة الحمام، والسيارات القليلة بدأت بنشر كربونها في الفضاء، وحيداً ألملم وحشة الوقت، أعد الأيام التي مرت، وظل الكورونا الذي يندس في الساحات ومناطق الزحام، أخرج لمصافحة المكان والتعرف على أحواله، ثم أعود إلى نافذة الكمبيوتر، حيث الأخبار والمقالات التي لم تعد تعرف شيئاً للحديث عنه إلا هذا الكائن اللامرئي.

كنت أحسب الناس في هذه المدينة الصغيرة قد اعتادوا على حصار المرض، غير أن الساعات الأخيرة من نهار الأمس أبانت عن تقلب الأحوال، واتساع دائرة الهواجس، أضحى كل قرار جديد ذريعة لإعادة تدوير الخوف، أو ربما إعادة تكييف الحياة.. المدينة المغلقة تعيش انفتاحاً على قلق المدن الأخرى، المفاجآت التي حملها الفيروس خلال الأسبوع الجاري جلبت أشباحاً من الظنون، ومعها القرارات بعزل المدن الثلاثة، وتوسيع مدة حظر التجوال فيها، أدخل الناس في متاهة التخزين للأغذية، الليل الطويل الذي كان منذوراً لمنصات صنع الطعام الكثيرة أعاد الاعتبار لأجهزة طهي الطعام المنزلية، هذا الزحف على مراكز التموينات لا يشبه إلا رمضان، عربات تسوق وسيارات متناثرة، وأكياس تروي قصصاً عن أصحابها.

هذا الذعر المرئي تجاه المخزون الغذائي في البيت وفي السوق معاً ترك وراءه لبعض الوقت الخوف من المرض، حيث التزاحم بالأكتاف والركب وحتى الأنفاس، والطمأنينة مرهونة فقط بتلك القفازات والمعقمات التي تخفف عنا عبء التفكير الوسواسي لبرهة، الإجراءات الاحترازية ما عادت مجدية، في ظل تكدس الناس داخل المحلات وعند مداخلها، والناس في سباق مع الوقت، ومع أمنياتهم بليلة أخرى من الحظر حافلة بعناوين الراحة والتسلية.

قلت لكم بأن الناس قد جلبوا رمضان قبل موعده، ففي الساعة الأخيرة قبل الحظر يحتل الناس الشارع في فسحة أخيرة لممارسة المشي، تماما كما يصنعون قبيل موعد الإفطار، الشوارع أكثر اكتضاضاً في هذا الوقت، خطوات ترسم على الأرض آخر التواقيع قبل سكون الليل، جموع تهرول، وأفراد يمضون الوقت بالاستمتاع بتطبيقات هواتفهم، وأرض الله واسعة سعة الخوف من مرض فتاك.

مازلت الشمس غائبة خلف الغيوم، وأصوات الطرق ومعدات الحفر تبدد سكينة الصباح، عمال البناء في الطرف القريب من الحي مشغولون باستكمال مهامهم اليومية، ومسابقة الزمن لإنجاز أحلام الباحثين عن بيت العمر، مسمار بعد آخر، وطابوقة بعد أخرى، يتبادلون الحديث ولا شيء يتسرب منه عن الكورونا، فحلمهم الآن أن يجدوا سريراً في نهاية اليوم ليناموا عليه قبل الانطلاق لمهام أخرى في الغد.

وحده الفايروس لا ينام، يعبر الفضاءات والأمكنة، وينتخب ضحاياه بلا ملل، يمزق الخرائط ويلصقها ببعضاً ثانية، يفرق الناس ويجمعهم عند حد الخوف منه، بات الآن يضرب بقوة في الأطراف الأخرى من الوطن، وبيننا وبينه فصول من حذر والتزام، فصول من التعبير عن وجودنا الإنساني بكثير من المسئولية، لقد اخترقنا في عمق إنسانيتنا، وباعد بيننا، غير أنه وهبنا فرصة لأن نكون جنوداً ندافع عن سلامة هذا الكوكب باليقظة، والوعي، والحفاظ على هذه المسافة الآمنة بين الحب والقلق!.