آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 7:55 ص

يوميات العزل الصحي «20»

أثير السادة

كالعادة أطرق باب المقهى في أول الصباح، أطلب كوباً صغيراً من القهوة الداكنة سريعة التحضير، منذ اليوم الأول للعزل الصحي وأنا أتودد هذه الأكواب، لا تحضرني القهوة إلا في هذا الوقت، بعدها يمضي اليوم في نشوة الصمت خلف إبريق الشاي، المكان الذي يتشح بالصمت كان به بعضاً من صدى الحكايات التي ينثرها الناس في اجتماعاتهم، الأصوات التي ضج بها المكان قبل أيام مضت في سبات طويل، لم يبق إلا صوت ماكينة القهوة. على الطاولة البعيدة تغازل العابرين نبتة مائية في أصيص زجاجي، وحده الماء يهبها الخضرة والحياة، صغيرة في عزلتها، غير أنها تشع بالكثير من الأمل.

ليس في وسع هذه النبتة أن تتحرك خارج مدارها، لكنها لا تكترث، فهي تحيا بهذا السفر الدائم في الماء، ليت الإنسان يملك هذه القدرة على التكيف، أقول في نفسي، متذكرا المتاهة التي ذهبنا إليها بتثاقل وهي الآن تكمل عشرين يوماً بالتمام، حكايات البشر ترويها لنا الشجر أحياناً، كانت ومازالت شريكتنا في دروس الحياة، خرجنا من تلك الجنة بشجرة، وتخيلنا الخلود في صورة شجرة، وكذلك الخير والشر جرى توصيفهما بالشجر، والعلاقة بين العبد وربه تأتي في صورة شخوص وتسامٍ وبلوغ إلى مراتب سدرة المنتهى.

في الخارج، تأخذني الطرقات للاستماع إلى إذاعة البحرين الشعبية، أصوات غنائية تتدلى على أغصان الزمن، تأخذني الصدفة لأغنية عن الشجر، ”ياسدرة الطيبين.. صبرك زمان العطش.. يطري علينا الحين“... شذرات من لغة جيل الستينات والسبعينات، تغيب الموسيقى وتحضر الكلمات التي تسرد حكاية الصبر الطويل، والعطاء المستمر، لشجرة كانت ومازالت رفيقة الإنسان في هذا الإقليم.. أغنية تشبه في مفرداتها البيئة والطبيعة والإنسان في أيام زمان، أصغي في صمت لها، وأتذكر الخبر الذي طالعته صباحاً عن المئات من البحرينيين العالقين بين المطارات، وهم لا يحلمون إلا بالعودة إلى فيء السدرة إياها!.

البشر كالشجر، يتنافسون أحياناً، ويتعاونون أحياناً أخرى، كل منهما يدافع عن وجوده، وفي هذه الأزمة الثقيلة، كلما اشتد الحصار، ودفع بالإنسان إلى التمترس خلف فردانيته، وعزلته، طفت على السطح مبادرات للحيلولة دون الذهاب إلى حد التوحش والأنانية، فصول الخوف والقلق كادت تنسي الناس تلك القناديل التي أضاؤوها في طريق تكافلهم وتعاونهم، لذلك كنا في كل منعطف ومحطة نجد من يزرع لنا شتلة أمل في الطريق، ترفع عن كاهلنا خطيئات الغفلة.

هناك من ذبلت أغضانهم في مرايا الحصار، بعد أن عصفت بهم ريح الضغوط الاقتصادية، وهناك من انقطع به السبيل للعودة إلى الوطن، وهناك من تعذر وصوله للمشافي، وآخر ضاق جيبه بتكاليف الحياة. كان الحصار يشعر الناس بأنهم مقيدوا الأيدي والأرجل، ولا يستطيعون تقديم ما يساهم في تخفيف المعاناة، صوت المجتمع المدني كان ضعيفاً في قبال المؤسسات الرسمية التي كانت تدير المشهد بكامله.

في البدايات، جرب البعض المساهمة في التوعية الصحية، والبعض الآخر في التخفيف من قلق الناس، وحاول آخر فتح قنوات التواصل مع الجهات الرسمية لحلحلة القضايا العالقة، شبابيك صغيرة، كبرت مع الوقت، لتتبعها مبادرات جادة، لدعم القطاعات المتضررة في الإقليم، ومساندة الكوادر الطبية، وتشجيع الناس على الامتثال للضوابط والاجراءات المرعية.. المجتمع الذي يبدو في جوع دائم للعمل التطوعي، استطاع أن يسترد عافيته، ويسترد دوره في تعزيز روح الجماعة عبر الوسائل المتاحة.

حين يكون للإنسان روح الشجر وصبرها، خضرتها وارتفاعها، يصبح المكان الصغير مساحة بلا حدود، وتصبح الحياة وعداً جديداً مع لحظة أكثر نضارة وبهجة، حتى في زمن الضيق، ستفيض هذه الروح المنسجمة مع تربتها برغبتها في احتضان الحياة بكثير من الحب.