آخر تحديث: 6 / 6 / 2020م - 5:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

كورونا زمن المتغيرات الدينية

جلال عبد الناصر *

يمر الانسان في هذه الأيام بتجربة غير عادية نظرا لأن الموت يحوم في أصقاع الأرض، وكأنها حالة حرب حقيقة. وفي مثل هذه الظروف تتغير الكثير من أمور الحياة نظراً للتغيرات الاقتصادية، والسياسية، والصحية، وبالتالي تتغير ما يسمى بالأيدولوجيا. ومن ضمن تلك الأيدولوجيات التي نأمل أن تتغير هي الأيدولوجية الدينية وبالتحديد تقديس الناس لرجال الدين.

يعرف عبدالله العروي الأيديولوجيا في كتابه ”مفهوم الايدولوجيا“ على أنها مجموعة من القيم، والأخلاق، والأهداف التي من المفترض أن يتم تحقيقها من قبل الفرد أو الجماعة على المدى القريب والبعيد. ومن ضمن تلك القيم التي يسعى الإنسان لتحقيقها هي القيم الدينية. فالصلوات الخمس، أو الصلاة في المسجد، أو قراءة القراءن تدخل ضمن إيديولوجيات الانسان المسلم. أما بالنسبة للإنسان المسيحي فالصلاة في الكنسية يوم الاحد، ورسم شعار الصليب على الصدر، وقراءة الانجيل هي الأساسيات الأيدولوجية الدينية لديه. ولأن تلك هي معتقدات دينية أصبح رجل الدين هو من يمثلها وبالتالي أصبح احترامه من احترام الدين.

لقد أحدثت جائحة كرونا تغيرات كثيرة في المجتمع الاسلامي كما في المجتمع المسيحي. فقد ألغيت الصلاة في المساجد والكنائس وتم إغلاقها. كذلك ألغيت الصلوات في ساحة الفاتيكان وساحة حائط المبكى، إضافة لإغلاق تام للأماكن المقدسة الخاصة ببعض المذاهب. ومن ضمن تلك التغييرات التي احدثها فايروس كرونا هو فضح بعض رجال الدين. فلقد برز من كل طائفة فئة تنادي بالرفض وتحريض الناس على عدم هجر الأماكن المقدسة، لأنها بوابة الرحمة، وأن الذهاب للمساجد هو نوع من التضحية التي سوف يقابلها حتما رضا من رب العباد. فقد نشر موقع CNN العربي بأن أستاذ التفسير والحديث بجامعة الكويت حاكم المطيري قد حرم إقفال المساجد، مستشهداً بالآية الكريمة «وأن المساجد لله». كذلك ثارت ثائرة بعض المعممين في العراق وايران على إغلاق الأضرحة، بالرغم من الآية الكريمة تقول «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة». بل راح بعض المتدينين يثبتون بأن علاج كرونا في الحبة السوداء، والرقية الشرعية، عوضاً عن كمامات الوجه، والقفازات، والحجر المنزلي.

وليس هذا فحسب بل ذهب البعض منهم بأن كورونا كوفيئد 19 قد ذكر في سورة المدثر في الاية 19 «لا تبقي ولا تذر.. لواحة للبشر.. عليها تسعة عشر». ورغم إجتهاداتهم فقد اتضح أن تلك الإجتهادات ماهي إلا أقصر الطرق نحو بوابة كورونا.

عندما نتجاوز أزمة كورونا نأمل بأن تتغير أيدولوجية الإنسان نحو رجال الدين «ليس كل رجال الدين»، ويدرك الإنسان أيضاً أن لكل أزمة رجال. ونحن مع رجال الدين الذين يدركون قيمة الانسان، وليس مع من يريق دماء الانسان كما حدث قبل فترة حينما زج بشبابنا نحو الإرهاب. كذلك نحن مع رجال الدين المتعففين، وليس مع رجال الدين الذين يسرقون أموالنا. ونحن مع رجال الدين الذين يدعون للبقاء في المنزل والالتزام بالإجراءات وليس مخالفة الأنظمة وحث الناس على الذهاب للمساجد وممارسة الطقوس الدينية في ظل الأزمة.

اختصاصي نفسي وعضو في جمعية التنويم المغناطيسي الامريكية.