آخر تحديث: 19 / 10 / 2020م - 5:29 م

يوميات العزل الصحي «22»

أثير السادة

قضى الجيران في حينا القديم يوم الأمس في استقبال رسائل المعزين برحيل والدتهم، الحضور الملح للمرض في واقع الناس أخذهم إلى طرق بديلة للتعبير عن أحزانهم، وعن مواساتهم، يمد الناس أيديهم من خلف شاشات الجوال، يواسون بعضهم بعضاً ببعض السطور، لا عناق، ولا مصافحة، ولا اجتماع يخفف من صدمة الفقد، ليس سوى عزلة الحزن التي تضيف للعزلة عزلة أخرى.

الموت في هذا الوقت من الزمن يصعب احتماله، حيث الحصار يطبق على كل شيء حتى المشاعر، تتحول الجنائز إلى لحظة من القسوة المضاعفة على الفاقدين، قسوة الفقد، وقسوة المسافة التي تفصلهم عن مشاعر الأهل والأصدقاء، بالأمس كانت مجالس الفاتحة تعيد للمرء إحساسه بالمكان وناسه، وبحرارة المشاعر التي يحملونها في قلوبهم وعلى أكتافهم، فيها توزع أجزاء المصحف الكريم، ويتلو فيها القارئ ختمة لروح الفقيد، ويستعيد الخطيب دروساً من الوعظ وصوراً من الحزن الكربلائي، أجواء تهب الواحد منهم شعوراً بأنه ليس وحيداً في حزنه، أما اليوم فمجموعة مؤقتة على تطبيق الواتس أب يجري إطلاقها مع كل حالة وفاة، فيدخلها الناس ليكتبوا ما تيسر من عبارات المواساة، وآيات مذخورة لهذه المناسبات، وقد يتسابقون لحجز جزء من القرآن ضمن قائمة يطاف بها في المجموعة بغرض تشجيع المعزين على ختمة القرآن.

هكذا يحاصر المرض الموت والحياة معاً، صوت محمود الحصري يغيب الآن عن سماء المدينة، وهو الذي كان يذكرنا بالذين قطعوا تذاكرهم للآخرة ساعة يرحلون، هو الدليل على فراق الناس لأحبابهم، وهو الجامع لهم في اشتياق الوداع، لم يعد لهذا النداء ما يصنعه في عزلة الناس، ظلال المرض الكثيفة تجعلهم يغيبون عن حضور مراسم التشجيع، نعوش تمضي في صمت مهيب عدا تلك الأذكار التي تحتشد في لحظات الحزن.. حتى الموتى باتوا يرتشفون كؤوس الخوف تلك، لا ماء يرطب التراب من حولهم، ولا زوار يرفعون وحشة الأيام، فالمقابر أوصدت، وبات الأوفياء لأمواتهم يقرؤون الفاتحة والسور من بيوتهم.

منذ أن عبر طيف المرض من هذه البلدات، لم يعد الفرح فرح ولا الحزن حزن فيها، وهي التي كانت تبالغ في التعبير عن مشاعرها، كلما مرت مناسبة بها، سعيدة كانت أو حزينة، سمع صداها في كل الأرجاء، مكبرات الصوت لا تنام في هذه الأوقات، فإذا كان زواجاً أو مولداً ارتفع صوت الفرح، وصدح رضا الزواد بأهازيجه التي تحملها نسائم الريح بعيداً، وإذا كان وفاة تداخلت في فضاء البلدة أصوات الناعين من فوق المنابر، فيض من الحزن يتناثر في صورة ملتقيات يحرسها الناس وتحرسهم.

أمست البلدة تنهض كل صباح بلا مواعيد للاحتفال ولا الإلتقاء، تخطفها الخوف من المرض، كما هو الحال على طول الوطن، وصارت تتوسل الفضاءات البدلية للتعبير عن روحها المحاصرة، أما الطفولة التي كانت تشتهي الركض في ناصفة شعبان فستطالع أفراحها من وراء الشاشات، وستذخر أكياس البركة إلى ناصفة رمضان، وهي تلوح للأمل من بعيد بأن يعود، وأن يعيد للأيام طعمها، وللمكان روحه، وللفرح رائحة البخور، وللناس مشاعرها، وللدمع حرارته التي كانت تجمع الناس وتشد أواصرهم.