آخر تحديث: 7 / 6 / 2020م - 2:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

وعدنا كما كنا!!

تعصف بنا أزمة عاتية تقض مضاجعنا وتسلبنا راحة البال وتصيب تفكيرنا بالتشويش، ويخيم علينا الحزن والهم وكأننا علقنا بعنق الزجاجة فلا مخرج، وتسيطر على تفكيرنا السوداوية وفقدان الأمل والهواجس المخيفة من المستقبل المجهول، وفي وسط تلك الزوبعة يراودنا فكرة إعادة الحسابات والإرادة القوية نحو التغيير الإيجابي والتخلص من عوامل الضعف في شخصياتنا، وتجنب تلك السلوكيات التي نتيقن بضررها ولكنا بقينا مصرين على التعامل بها بسبب حاكمية الأهواء والتصرف بآلية الانفعال الشديد، ونرسم لأنفسنا حينها صورة حالمة مثالية وقد خرجنا من الشدة بثوب آخر، ومسحنا كل علائم تصرفاتنا الخاطئة السابقة وتخلصنا منها وولد شخص آخر تماما!!

وما إن تنقشع غمامة الأزمة حتى يحدث الأمر المفاجيء وهو العودة إلى الحالة السابقة بكل حذافيرها وكأن شيئا من الصعوبات المؤلمة وبلوغ القلوب الحناجر الذي كنا فيه في تلك الأزمة لم يحدث، أفليس من الغريب أن تكون هذه الحالة ليست بنمط فردي بل ظاهرة تمتد بامتداد وجود البشرية وتتكرر في كل زمان ومكان، فكل تلك الوعود بالتغير التي سطرت أحرفها أزمة احتفرت في ذاكرتنا ولا تغيب عن مخيلتنا لم يتحقق منها ولو الشيء البسيط، فلماذا لا نتعلم من الأزمات القاسية دروس الحياة والتي لم تكن بالمجان، بل كان لها ثمن غال استنزف قوانا النفسية واستقطع من عمرنا ما اختفت حينه كل علامات الحيوية منا؟!

تكرار الأخطاء السابقة وعدم استيعاب الدروس من التجارب والمحطات الصعبة أو الخطرة التي نمر بها نقطة مهمة وجديرة بالبحث واستخلاص النتائج،

لنعد بذاكرتنا إلى وسط المحنة وكيف نفكر بلحظة الخلاص والخروج من النفق المظلم حتى نبدأ في خطة التغيير بمفردات متعددة، ولكن المشهد بعد الأزمة لم يتغير عند الكثير، فما هو السر في ذلك؟

العامل المهم هو الظرف المحيط بنا حينها وطريقة التفكير التي وقعت تحت وطأة الانكسار وتشويش الذهن، كما أن مشاعرنا الوجدانية لم تكن بأحسن الأحوال بل كانت أرجوحة تتحرك نحو اليأس تارة ونحو الأمل بالانفراج تارة أخرى، فالعوامل المحيطة بالتفكير الجدي لم تكن متحصلة بل وقعت تحت تأثير الشعور بالضعف النفسي، ولذا فمنذ خروجنا من الأزمة وتأثيراتها السلبية نتلاشى فكرة التغيير الإيجابي ونعود مرة أخرى لحاكمية الغفلة والأهواء.

الاستفادة الحقيقية واستيعاب الدروس من خضات الحياة ومنعطفاتها الصعبة تكمن في التحلي بالتفكير الهاديء والبعيد عن ضغوط الظروف، واضعين نصب أعيننا النقاط الإيجابية والسلبية والمسار الأسلم والنتيجة الفضلى واستحسان الإبحار نحو ساحل النجاة لها، فالنظر في نتائج أي خطوة نخطوها هو ما يخلصنا من تخدير الغفلة والأهواء، كما أن الوصول إلى الغايات والأهداف ليس بالطريق السهل الذي يقع بضغطة زر، وإنما الحياة مثابرة وبذل الجهود واستثمار الأوقات والتمسك بثقافة الصبر وتحمل المعاناة لكل مسير، كما أن المتابعة لمسار كل هدف أو وعد قطعه على نفسه أمر مهم، وإلا فإنه سيتبعثر أمام خطوط غير مكتملة وجهود ضائعة لا ينجز المرء منها شيئا.

وحينما نضع هدفا معينا نريد تحقيقه فلابد وأن يكون ضمن نطاق قدراتنا وجهودنا المحدودة، وإلا فإن الأسقف العالية والأهداف الكبيرة التي لم نضع خطة مناسبة لتحقيقها، فستعود علينا بخسارة الجهود وزعزعة الثقة بأنفسنا وقد تصرفنا عن العمل في المراحل اللاحقة، ولذا علينا قبل أن نقطع وعدا على أنفسنا أن نتجنب المثالية الزائدة ونتعامل بواقعية.

معالجة الأخطاء وأوجه التقصير تحتاج إلى عمل مثابر بعد التعرف عليها والتخلص منها بقدر كبير، وإلا فسنكون كالقربة المثقوبة غير الصالحة لجمع الماء، وكم من إنسان تعبث به المواقف الحياتية والأحداث الصعبة وإذا به يعيد الكرة في ارتكاب نفس الأخطاء، دون استيعاب لتلك الدروس التي ينبغي استلهامها.

قبل أن تنطلق سفينة عملنا في وسط عباب الميدان الحياتي علينا استيعاب نقطة مهمة لا يمكن إنجاح أي تحرك بدونها، وهي تجنب الظروف الضاغطة علينا أثناء التفكير بأمر ما، فما دمنا واقعين تحت ضغط الانفعال الشديد أو الفكر العاطفي البحت أو التهور فلن يأتي منا إلا الأخطاء المتكررة، فهدأة النفس والخلوة معها في جلسة محاسبة وتفكير منطقي في العوامل والنتائج لكل خطوة نقدم عليها، هو ما يحقق الإعداد الجيد والمنطلق الصحيح الذي يمكن تحقيق إنجاز من ورائه.