آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 11:55 م

ما بعد كورونا.. عزلة أم تضامن اجتماعي؟

محمد الحرز * صحيفة اليوم

وباء كورونا الذي اجتاح إلى الآن أغلب دول العالم بسرعة لم يعرف لها مثيل في التاريخ، قلص المسافة بين الحياة الواقعية والافتراضية، بل لأقُل أوجد حالة من القطيعة التامة. لقد سحب الحياة الواقعية مثل شجرة كبيرة تقتلع من جذورها في حديقة عامة، وظلت هكذا معلقة في شاحنة كبيرة تسير بلا توقف، وأصبح الناس فجأة وكأنهم عراة يبحثون عن ملاجئ مؤقتة ريثما تعود الشجرة إلى مكانها من جديد.

لكن البيوت ليست ملاجئ، ولا يمكن الركون إلى فكرة «العزلة» كي يبرر المرء لنفسه جلوسه بالمنزل. البيوت التي تسكننا بالقدر الذي نسكنها هي جزء لا يتجزأ من كيان الشخص نفسه، وجزء من ذكريات جسده، يستحيل معها أن نقنع وجداننا وشعورنا قبل تفكيرنا أننا نعيش العزلة. وهم الحياة الافتراضية هو من يفتح لنا شبابيكه كي نرى ما لا يمكن أن نراه من خلال الحياة الواقعية.

ابتكرت لنا الحضارة المعاصرة طرقا وأساليب عديدة في توثيق الحياة اليومية ومن ثم تخزينها في ذاكرة صغيرة «memory»، حيث أصبحت الصورة الثابتة والمتحركة هي أرشيف الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية في العالم، وأصبحت الرافعة للاقتصاد والسياسة والإعلام. أنت مراقب، أنت مرئي في كل لحظة وفي كل مكان، لا يمكنك الانفلات من إطار الصورة، حتى الشعور والأحاسيس والأحلام تكفل بها الفن البصري، سبر أغوارها وجلبها من مياهها الجوفية ووضعها أمام الشاشة أو في اللوحة الفنية وكأنه يوسع من خلال الصورة حقل التحليل النفسي ويعضد من مكانته، والفن السينمائي أيضا استطاع أن يفرض على الواقع محاكاته وتقليده وليس العكس، وأصبحت مخيلة السينما تصنع المستقبل وتعيد صياغة الماضي بينما الحاضر يقلدها.

ناهيك عن الإبحار الواسع في أرجاء العالم الذي يتيحه لك تصفح «جوجل» عبر الانترنت، فبمجرد ما تضع أصبعك على لوحة المفاتيح، تتدفق أمامك ملايين المعلومات في أقل من ثانية.

فهل نحن حقا في عزلة مع وجود كل هذه التقنيات التي وفرتها الحضارة المعاصرة؟

أولا: الكلمة ذاتها ارتبطت دلالاتها من خلال حقلي الأدب والفلسفة، وأعطى الكثير من المفكرين والأدباء تصورهم عن العزلة بوصفها لصيقة الكاتب أو المبدع بينما بعض الفلاسفة ربطها بالتقنية «هيدجر، جيوفاني فتيمو». والبعض الآخر «فوكو» ربطها بالمصحة في تاريخ الجنون.

ثانيا: الوضع استثنائي هنا: عزلة ليست اختيارية، جميع الناس منسحبة إلى منازلها، شبح الموت يدور في الطرقات، القلق والخوف وهواجسهما لا ينفكان يثيران الذعر في النفوس، الخوف من ملامسة الآخر، من الاختلاط بالناس حتى أقربهم إليك. بالمقابل في اللحظة ذاتها أنت تستحضر العالم بين يديك: الجوال، التلفزيون، الإنترنت، سينما هوم، تطبيقات التواصل عن بعد. لذلك ينبغي البحث عن دلالات جديدة للكلمة ذاتها «العزلة» تناسب مثل هذا الوضع الاستثنائي.

ثالثا: عالم الاجتماع الفرنسي جاك أتالي الذي نشر مؤخرا على مدونته مقالا حول الأزمة الحالية بعنوان «ما الذي سيولد منه» خلص إلى أن هناك سلطة ستبنى على التعاطف والتضامن وليس على القوة والعقل أو الإيمان كما هي قائمة الآن، وتؤسس للمرحلة القادمة.

رابعا: يبدو لي وفق هذا التصور، أن مفهوم «التضامنية» هو العامل الحقيقي الذي يشد الناس للجلوس في منازلها، وهو نابع من الوجدان الذي تتأسس عليه ثقافة الجماعة، ولا يختلف في ذلك لا المجتمعات الواقعة تحت سلطة الديمقراطية أو سلطة الدكتاتورية. أقرب ما يكون إلى أنه شيء «فطري» في تركيبة الإنسانية جمعاء.

خامسا: رغم ذلك إلا أن الإحساس بالملل يملأ وقتك تماما، قيد يطوق عنقك وأنت ملازم البيت، رغبة جامحة للخروج والانطلاق إلى فضاء أرحب. كل ما في الأمر أن فكرة التضامن أيضا تحفزك للتواصل مع الآخرين والالتقاء بهم، مثلما هي الفكرة ذاتها تحفزك على الجلوس والالتزام بالبيت.