آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

يوميات العزل الصحي «25»

أثير السادة

وأنا أكتب هذه اليوميات تهرول في رأسي الكثير من الأفكار والأحداث والقصص، حصاد ما نراه ونشعر به وما نسمع عنه، وما يتوقد في الذهن من رؤى وتصورات، ويخفق في القلب من مشاعر وأحاسيس، تشتد وترتخي في هذا الأفق المفتوح على حدث بلا نهاية معلومة.. أسرف في الكلام كلما أسرف المرض في اختراق فضاءاتنا، وحصار مدننا، وأشاع فينا الخوف والرجاء، وجعل منا كائنات تتوسل الجدران طلباً للسلامة.

هذه اللحظة من الزمن تتجلى كحقيبة بها من أسرار الحياة، أو صندوق حكايات لحكواتي يستوحش الصمت، ثمة مد لا ينحسر من الأخبار والأحداث تجعلنا في قدرة مستمرة لتدوير الكلام، الضوضاء التي اختفت من شوارعنا، جرى استبدالها بضجيج هذا الزائر الثقيل، أصبحنا مقيدين من كل شيء إلا من الكلام عنه وحوله، نتذرع بيومياته لنكشف عن ما بنا، وما يزاحم أفكارنا ومشاعرنا، نخاف الدخول والخروج من أماكننا، لأن كل شيء بات مفخخاً بالخوف منه.

بين الفينة والأخرى كانت فكرة التوقف عن هذه اليوميات حاضرة، يأخذني الشعور بتصاغر تجربتي في هذا المنعطف أمام تجارب المنغمسين بأرواحهم وأجسادهم فيه، والمتواريين خلف آلامه وتداعياته، في مرآة الحدث كنت واحداً من كثيرين يركنون إلى الظل ويراقبون، فيما يواجه آخرون قسوة الأيام، بين فاقد لعزيز، وحائر في علاج مريض، ومنقطع عن رؤية الأحباب، وضائق بتردي الوضع المالي، هؤلاء هم من خبروا الأزمة في عمقها، واستوحشوا الليل والنهار فيها، هم من تنشقوا كل الهواء الذي جلبه المرض وهو يعصف بهذه المدن المحاصرة بالخوف.

ما كان عصياً أمر البحث عن موضوع للكتابة فيه، فنحن في رحلة يومية مع أخبار المرض وتداعياته، كانت مرايا الكتابة كفيلة باستعادة المشهد اليومي واستخلاص ما فيه من صور وأفكار ومشاعر، كان عليه فقط أن أتقمص شخصيات مختلفة من فضاء الحدث، أن أستعير مشاعر الآخرين وهواجسهم، وأنا أكتب ذاتي من خلالهم بكثير من الحذر، فحتى ذواتنا تصبح مسيجة في لحظة التفكير وتحتاج إلى وسائل للهروب مما يشدها للصمت.

كنا نعد الوقت سوياً مع الأصدقاء في هذه النافذة، تختلط رغبة البوح برغبة الانتظار للقادم من الأيام، كمن يكتب ليقفل الباب على يوم ثقيل، كنا نحسب الطريق قصيراً إلى نهاية العزل الصحي، إلى أن تمدد من أمامنا كمتاهة بلا انتهاء، أصبحت المدن شيئاً فشيئا سجناً كبيراً، وصار الوقت رهينة لأفعال المرض، وبه تحولنا إلى حقل من الهواجس والظنون المربكة.

سأغادر هذه المرآة، وأنا على يقين بأن فصولاً كثيرة لم تكتب بعد عن هذا المرض، وأنه في كل ساعة ثمة حكاية تستحق أن تروى، لن ينتهي السرد ولا الحدث بانتهاء هذه اليوميات، غير أنهما ماضيان للالتقاء مرة أخرى في زوايا الصمت، في لحظات منذورة للتأمل، حتى تحافظ اللغة على رشاقتها، وحتى لا تصبح الكتابة أسيرة لحظتها، لتخرج من حدود الالتباس والارتباك، إلى حدود الوعي والنضج، قد تخلو من هذا الزخم العاطفي في التعاطي مع الحدث، لكنها حتماً سترسم صورة مكبرة عن صمت الشوارع ليلاً، ونوافذ القلق في النهار، والخوف الحافي في كل الأنحاء.