آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 10:57 م

التوازن بين الحاجات الروحية والمادية

التوازن بين حاجات الروح والجسد من معالم القيم الإسلامية، إذ كما أن للجسد غرائز لا غنى للمرء في جانبه الحيوي من إشباعها كغريزة الطعام وغيرها، فكذلك للروح حاجاتها التي يبتغي منها الظفر بحالة الطمأنينة وهدوء النفس، وتغييب أحد الجانبين يخل بحياة الإنسان والدور التكاملي الذي يسعى لتحقيقه نيلا للرفعة والعلياء، فابتغاء رغبات الجسد وتلبيتها لوحدها فقط سيسلخ الإنسان من روحه ويغدو بقايا جسد يتناسق مع الحياة الحيوانية والتي عبر عنها أمير المؤمنين : كالبهيمة همها علفها، فأقصى ما يطمح له الإنسان المادي هو تلبية غرائزه بأي شكل كان ودون أي حد معين، وهذا بالضبط ما يحوله إلى مخلوق شهواني لا حضور للعقل المفكر ولا الإرادة العالية لتحقيق وجوده الإنساني المكرم.

وتغليب الحاجات الجسدية والاقتصار على الأجواء الروحية سيصيب الإنسان في مقتل، وذلك أن كبت غرائزه الجسدية يحيه في صراع شديد لا يطاق، وهذه الرهبنة وإغفال وجود الحاجة المادية وهم كبير.

النظرة القرآنية تقوم على مبدأ التوازن بين الحاجات الروحية والمادية، فالحاجات المادية يسعى لتلبيتها مع الالتزام بالحدود الذي لا تخرجه عن قيمته الإنسانية، كما أنها تدعوه لإشباع حاجته الروحية بتلبية مشاعره الوجدانية تجاه محبوبه الذي يرعاه برحمته ونعمه مع كل نفس يتنفسه، من خلال محور المناجاة والدعاء والوقوف في محراب العبادة، وذلك ليتحقق له مسعاه بتكامل النقس ونزاهتها من الرذائل والعيوب، وتحقيق حريته بالانعتاق من قيود الشهوات والأهواء التي تغيب رشده واستقامته.

والعالم المادي اليوم بما يعج به من أمراض نفسية انتشرت بشكل كبير وظهور حالات الانتحار وتفشي الجرائم بنسب عالية، مردها إلى تغييب القيم الأخلاقية والروحية من تربية وثقافة الشباب، فالحاجات الروحية نظرة واقعية للحياة تراعي مختلف جوانب الشخصية الإنسانية، فلا الجانب الروحي يشكل مانعا من تحقيق المرء لأهدافه وآماله العلمية والوظيفية والمهارية، بل تشجعه القيم الدينية على المسعى الحثيث والهمة العالية على بذل الجهد في اغتنام أوقاته باكتساب مختلف المعارف والخبرات التي يتقنها، وفي المقابل فلا الجانب المادي يمنعه من توفير لقمة العيش الحلال وتكوين الأسرة وإشباع جانبه الاجتماعي بتكوين الصداقات والعلاقات العامة، فمن حقه أن يروح عن نفسه بعد جدول مكتظ بالدراسة أو العمل بما يعيد له نشاطه وهمته مجددا، ولكنه خط التوازن بين الجانبين بتقسيم أوقاته ليحقق لنفسه حاجاته النفسية والوجدانية والروحية والثقافية والتنموية والترويحية.

والحاجات الروحية بتحصيل الهدأة والأمان تحققها النظرة الإسلامية لوجود الإنسان ودوره في الحياة من خلال نظرية الإعمار لدنياه بمسعاه المقدر له بالعمر المسمى، فالحياة دار عمل ومثابرة بعيدا عن التكاسل والتعاجز، ولكن مع مراعاة الأولويات بحسب أهميتها، فيهتم بإصلاح معيشته وتحقيق طموحاته دون أن يفرط في ذلك بحيث يكون قلبه مشغولا على الدوام بمظاهر الدنيا حتى يرهقها بالغفلة والجشع، وصولا لسيطرة الهواجس والقلق من المستقبل المجهول بسبب أي صعوبة أو أزمة تعصف بجوانحه، دون أن يعطي لنفسه وقتا ليتزود بالطمأنينة المتحصلة من ذكر الله تعالى والثقة بتدبيره، فانظر إلى من انجذبوا وتشوقوا لتلك الأوقات التي يناجون فيها ربهم، متخففين ومتخلصين من هموم الدنيا والحزن لحظوظ فائتة أو القلق لمستقبل مجهول في تفاصيله.

والانقطاع إلى الله تعالى لا يقصد به الرهبنة والانفصال عن عالم الرغبات الدنيوية، بل هو استجماع شغاف القلب من التشتت بين مشاغل الدنيا حتى تصبح أكبر اهتماماته، وما يجذب المؤمن هو النظر في مظاهر الجمال والعظمة الإلهية والتي يتقصاها نظريا ومعرفيا من تلاوة كتاب الله تعالى والتدبر في مضامينه العالية، وكذلك ما يرد في الروايات الشريفة من التعريف بالقدرة والرحمة الإلهية التي تشبع نهمه بالتغذية الفكرية، ويتآزر فكره مع وجدانه في تلك الأجواء الروحية للمناجاة فيبث همومه ويؤوب بالندم على خطاياه وتقصيره، ويتملكه اليقين بالتدبير الإلهي الذي يبدد مخاوفه من أي بلية أو أزمة يواجهها، بل يقابلها بالاستعانة بالله تعالى وروح الصبر، وهذا الانجذاب لا يصيبه بالانفصال عن المظاهر المادية، بل يقبل على غاياته وأهدافه بقوة الإيمان وضابطة الاستقامة وبوصلة الرشد والنضج الفكري.