آخر تحديث: 6 / 6 / 2020م - 7:40 م  بتوقيت مكة المكرمة

خيرية الإنسان

ورد عن الإمام السجاد : «من عمل بما افترض الله عليه فهو من خير النّاس» «بحار الأنوار ج 68 ص 195».

يشير الإمام السجاد إلى مفهوم الخيرية عند الإنسان من خلال تحقيق المطلب الخاص به وهو الالتزام بالأوامر الإلهية، فليس هناك من مسعى حقيقي ينبغي أن يتحرك المرء نحوه ويبذل جهده نحو تحقيقه إلا اندكاك إرادته في الإرادة الإلهية، وذلك من خلال تكامل نفسه وتجسيد الصفات الحميدة في علاقته بربه ومن حوله وفي تعاملاته وتصرفاته، وتنزيه نفسه من الرذائل والمعايب يعلي شأنه ويحقق كرامته الإنسانية وعزته، فمتى ما تخلص من أغلال العبودية للشهوات والأهواء امتلك نفسه وحاز حريته.

التميز الحقيقي للإنسان لا يكون بالجمود البهيمي من خلال العمل على تلبية غرائزه وإن كانت متفلتة، فهو في هذه الحالة يتخلى عن هويته المتقومة بالعقل المفكر السائر به في لجج الحياة نحو النجاة والنجاح، فإذا كانت الشهوات المذلة لا تحقق تميزه وعلو شأنه، فما الذي يحقق فيه الخيرية والتميز؟

النظرة الأخلاقية في الإسلام تقوم شخصية المرء بالتزامه سمت العقل الرشيد في تصرفاته بعيدا عن الأهواء، وإذا كان الأمر كذلك فكيف ينبغي أن تكون علاقته بالخالق الموجد له والذي أنعم عليه بما لا يحصى عددها، فهل الخيرية تكون بنكران النعم بدلا عن شكرها أم يكون بالتعامل في هذه المسألة - لا أقل - بالمبدأ الإنساني القائم على شكر من يسدي لنا معروفا واحد - مهما كان بسيطا -، فكيف بمن لو تفكرنا في نعمه في أنفسنا وفي الآفاق من حولنا لن نحصيها عددا؟!

فالخيرية في الإنسان تقتضي مقابلة تلك النعم بالشكر، وشكر النعمة يكون بالعبودية الحقة لله تعالى وطلب القرب منه في كل ما يفعله، وهذه الاستقامة والورع عن المحارم مطلب يعود بالنفع على العبد لا على غيره، إذ باستقامته وترفعه عن الرذائل وتمسكه بالأفعال الصالحة يحقق حريته وكرامته، ولذا فإن ما افترضه عليه الباري من عبادات كالصلاة والصوم وبقية الفرائض يبتغى منه تحقيق ملكة التقوى والخشية من الله تعالى، والتي تحصنه من الاستجابة لطريق الانحراف وارتكاب الخطايا.

والخيرية الأخلاقية تتمثل في الاتصاف بتلك القيم الإنسانية من التواضع والصدق والأمانة والحياء وبقية مفردات مكارم الأخلاق، فالشخصية الخيرة تتقوم بهذه الروائع القيمية التي تشير إلى نقاء في القلب، فالإنسان المكرم يتخلى عن خيريته حين تتحكم فيه المصالح الضيقة وتأليه الذات فيسود سريرته بالظلم والكذب والخيانة.

والخيرية في التعامل مع الناس تقوم على احترام الآخر والانطلاق من المبدأ الديني وهو الحب، فيتجنب المرء كل ما يسيء للآخر ويجرح مشاعره ويتجاوز على وجوده من كلمات بذيئة أو تصرفات طائشة كالسخرية والتلون الاجتماعي وبث الشائعات والفتنة وغيرها.

والخيرية المالية تتمثل في البحث عن لقمة العيش الحلال وإنفاقها على نفسه وأهله لتجنيبهم طرق الحرام والشبهات، ولا ينسى بلسمة آلام وعوز المحتاجين بشيء من العطاء، بما يرسم الفرحة على محياهم ويبعد عنهم شبح القلق من المستقبل والإحساس بالنقص.

وهذه الخيرية المتمثلة بالطاعة لله عز وجل تتوافق مع حب الإنسان السوي للكمال والكرامة، وهذا لا يحققه الاستجابة للنزوات بل يحققه صوت العقل المتوائم مع القيم الدينية، فسعادة المرء ومصلحته هي الخيرية النابعة من نزاهته عن الرذائل وجمال روحه بالعبودية، والعبودية لا تقتصر على جانب العبادات بمعناها الخاص، بل بمفهومها الشامل لالتزام الأوامر الإلهية في جميع جوانب حياته الدينية والأخلاقية والمالية والتعاملية مع الآخرين، فالإنسان السالك نحو التكامل هو ما يشار له بالخيرية والعبودية الخالصة.