آخر تحديث: 7 / 6 / 2020م - 2:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

كورونا البعد اللغوي ”2“

اصطلاح لغوي أم استخفاف لغوي - ”كُفِدْيُوْ“ أنموذجًا

في أزمة فيروس كورونا الحالية تم تداول مفردات ومصطلحات كثيرة، كنتُ سأتناول بعضًا منها في الجزء الثاني «هذا» من ”كورونا البعد اللغوي“، لكن بسبب انتشار مفردة في الأيام الأخيرة، ولضرورة لفت انتباه المستعمل العربي لخلفيتها، قررت الحديث عنها لوحدها هنا، وتأجيل المفردات الأخرى للجزء الثالث من هذا المقال ”كورونا البعد اللغوي - 3“. هذه المفردة، والتي هي من أهم المفردات المتطايرة هذه الأيام، أو أكثرها لفتًا للانتباه، هي الكلمة الإنجليزية ”covidiot“ «تُنْطَقْ ”كُفِدْيُوْ“»، مُرَكَّبة من ”corona virus“ «فيروس كورونا» أو منحوتة من الاسم العلمي «المصطلح الطبي» له، وهو ”كوفيد - 19“ «Covid - 19» ”، مع الكلمة الانجليزية“ idiot ”«غبي، بليد، أخرق»، ويراد بها“ الشخص الذي يتجاهل التحذيرات المتعلقة بالصحة العامة أو السلامة ”. لكنَّه، في زمن الاعلام المفتوح، ووسائل التواصل الاجتماعي، كالواتساب والتغريد «تويتر»، وغيرهما، تمددت المعاني لتشملَ كثيرًا من السلوكيات“ غير المرضية" المرتبطة بوباء الكورونا، سواءً كانت في الجانب الصحي والطبي، أو الأمني، أو الاجتماعي أو حتى الاقتصادي.

كيف نشأت وانتشرت هذه المفردة

مصدر هذه المفردة، إدخالًا «وضعًا» وليس رصدًا لوجود أو استعمال في الواقع ابتداءً، هو ”القاموس الحضري“ «Urban Dictionary»، وهو قاموس على الشبكة العنكبوتية «المعروفة ب الإنترنت» التي خلقت عالمًا افتراضيَّا، موازيَّا لعالمنا، أو جزء منه لكنه مؤثر جدًا على عالمنا. القاموس يضم مجموعة كبيرة من الكلمات والعبارات العاميِّة، يعمل تحت شعار ”عَرِّفْ عالمك“. «Define Your World» تم إنشاء الموقع في عام «1999» من قبل شخص يدعى آرون بيكهام «Aaron Peckham»، عندما كان طالبًا سنة أولى في تخصص هندسة الكمبيوتر، في جامعة بولي - تكنك ستيت، فرع سان لويس أوبيسبو «California Polytechnic State University، San Luis Obispo». في الأصل، كان الغرض من القاموس التعريف بالكلمات والعبارات العاميَّة، التي لا توجد عادةً في القواميس القياسية، وتحديدًا كان لمقارنة المفردات العاميَّة للطلاب القادمين من مختلف الأماكن في ولاية كاليفورنيا. ولكن القاموس الأن يُستخدم لتعريف أي كلمة أو حدث أو عبارة، بل وتسمية أيَّ ”حدث“ طاريء أو ”شيء“ جديد.

تحتوي الكلمات أو العبارات في القاموس الحضري على العديد من التعريفات وأمثلة الاستخدام وخاصية البحث. «tag» في عام «2014»، كان للقاموس أكثر من سبعة ملايين مدخل «مفردة بتعريفها»، ويتم إضافة حوالي 2000 مدخل جديد يوميًّا. لكن العديد منها مجرد عبارات هزلية، أو ساخرة أو مسيئة أو محرمة «taboo»، أخلاقيًّا وأدبًا، وليست تعريفات حقيقيّة تتسم بالرصانة والجدية، ناهيك أن تكون علميَّة.

هذه المفردة ”كُفِدْيُوْ“ «covidiot» تستحضر بعض المفردات من التراث الشعبي العربي، مثلًا، كلمة ”خُرُنْقْ“ أو ”خُرُوْنْقْ“، وردت على لسان عادل إمام في مسرحية ”شاهد مشافش حاجة“، بطولته عمر الحريري «سنة 1976». في اللهجة المصرية، وهي كلمة سيئة وتعتبر شتيمة «سب»، اذ تعني: ”الرجل الضعيف، المايع، وعديم الشخصية، تافه، طرطور؛ ضعيف لا يملك اتّخاذ القرارات، بالشعبي، ما له كلمة في البيت“. وحسب علمي القليل وبحثي القاصر، ليس لها، في اللغة العربية الفصحى أصل أو معنى. والكلمات ”خَرَنق“، و”خِرِنق“ و”خُوُرَنق“، الموجودة في المعاجم اللغوية العربية، ليس لأي واحدة منها ما يشير أو حتى يوحي بأحد المعاني المذكورة هنا إلى ”خُرُنْقْ“ المصرية. فربما أنسب تعريب لكلامة ”كُفِدْيُوْ“ «covidiot» الإنجليزية المستحدثة شعبيًّا هو ”كورُنك“ أو ”كورونك“، على الطريقة المصرية، أو ”مْكَرْنُكْ“، حسب لهجة أهل الخليج العربي، ومنها لهجتي، اللهجة التاروتية - القطيفية، وذلك بسبب المعاني المتعددة المعطاة لها في ”القاموس الحضري“ «الشعبي»، ووسائل التواصل الاجتماعي، كالواتساب وتويتر، وأدبيات الإعلام الأمريكي، خاصة الصحفي، حتى في صحف محترمة ك ”واشنغتن بوست“ «Washington Post»، مثلًا، لا تعني مجرد الغباء المتعارف عليه لغويًّا.

السؤال هل تدخل هذه المفردة وأخواتها في المعاجم اللغوية الإنجليزية، مثل معجم مريام وبستر الأمريكي «Merriam Webster Dictionary»، ومعجم أكسفورد البريطاني «Oxford Dictionary»؟

وقد قمت بتجربة البحث عنها في المعجم الأول: فجائني الرد التالي:

«“covidiot”:

The word you've entered isn't in the dictionary. Click on a spelling suggestion below or try again using the search bar above، covariant، covariate، covid، cupidity، idiot.»

[وترجمة هذا النص «الرَّد» هي كالتالي: ”الكلمة التي أدخلتها ليست في القاموس. انقر على اقتراح إملائي أدناه أو حاول مرة أخرى باستخدام شريط البحث أعلاه“، وذكر الكلمات المرفقة أعلاه.]

وفي الختام، التداول السريع لهذا المصطلح على جميع المستويات قد اضطرني لتناولها في هذا المقال، على أن يتم العودة، لمفردات أخرى في البعد اللغوي لكورونا، في المقال القادم، قبل الدخول في جوهر الصراعات اللغوية، مَعَ أَنَّ المقال «القادم» سيتطرق إلى مثالٍ على الصراع اللغوي من خلال حرب المصطلحات، أثناء تناولي له تعريفًا وتطورًا، وسيتشعر القارئ كيف تمت هزيمة مصطلح سريعًا ورسميًّا، رغم أنه أخذ زخمًا من عدة جهات مؤثرة «صحية، وسياسية، واعلامية، حتى تخصصات أكاديمية». لكن هل هي معركة في حرب؟ وسيعود بعد أن يتعافى ويعد العدة لجولة جديدة؟ أقول هذا، لِأَنِّي حتى لحظة كتابة هذا المقال وجدتُ روحَه حاضرةً في جسدٍ لم يبرد بعد. وهذه ظاهرة لغوية تستحق الإطلالة عَليها في قادم الأيام.

يتبع.....

تاروت - القطيف