آخر تحديث: 7 / 6 / 2020م - 2:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

العقلانية في زمن الكورونا

ياسين آل خليل

إذا كان من الصعوبة بمكان أن نُطوّع أنفسنا على أن نكون إيجابيين في الأيام العادية، فهل من السهولة أن نبتعد عن السلبية عندما تعصف بنا الكوارث. ليس منا من يعيش العمر دون أن تمر به أزمة ما، لكن أن تكون الأزمة من قبيل جائحة كورونا، تطال الأرض بأبعادها وتنال دون استحياء أو اعتبار من سكانها، فهذا ليس من قبيل ما يمكن التخطيط لها كخُطط العمل المتعارف عليها، على تنوعها، والمتبعة في أكثر بقاع العالم.

جائحة كورونا غيرت نمط عيش البشرية بأسرها، فلم يعد هناك من خيارات يمتاز بها فرد دون غيره من الناس. التعليمات التي تصل الى الأفراد وعلى مستوى الدول والقارات هي واحدة «ابتعدوا عن التجمعات والزموا منازلكم». المستهدف هو الإنسان والحضارة البشرية، فإما أن تُنَفِّذ التعليمات بحذافيرها وتنجو بنفسك إن حالفك الحظ، أو أن تضربها عرض الحائط، عندها تكون قد سلكت طريق اللامبالاة، واخترت لنفسك طريقا محفوفا بالمخاطر، معرضًا نفسك وأهليك للإصابة بهذا الداء.

ونحن نعيش مراحل نمو هذه الجائحة واتساعها، نسبة كبيرة من الناس يمرون في حالة عقلية ونفسية صعبة للغاية. هذه الحالة تجعل هؤلاء الأفراد بعيدين عن التفكير العقلاني الذي من شأنه أن يرشدهم لاتخاذ خطوات عملية تبقيهم على قيد الحياة الى أن تصل هذه الأزمة الى خواتيمها بسلام وبأقل الخسائر.

إصرار البعض على التقوقع ضمن فضاء ضيق من التفكير، مع ازدياد الخوف من ترَدّي الوضع العام، هي أسباب كافية تجعلهم غير قادرين على رؤية الصورة الأكبر والتي توضح ما تقوم به مؤسسات الدولة من خدمات جليلة لتقليل أثر هذه الجائحة على المواطنين، وهم الثروة الحقيقية للبلد. أما ما تقوم به الكوادر الطبية من تضحيات جبارة لاحتواء هذه الأزمة فأمر آخر تعجز مفردات اللغة من أن تحتويه أو تُعَبّر عنه. هذه النظرة الضيقة من التفكير من شأنها زيادة القلق لدى هؤلاء وتشويش رؤيتهم لما يمكن أن يكون عليه الحاضر والمستقبل.

عندما تحيط بنا الأزمات فإنها تُحَول حياتنا إلى فوضى وتُعطل خططنا وتحولها إلى عصف مأكول أو شيئ من الهباء المنثور. في هذه الأوقات الحرجة من التِيْهْ والشك وعدم اليقين، من الطبيعي أن تنفلت الأمور من أيدينا، وأن نفقد التحكم في مُجريات الأحداث ونتائجها.

”البِحَارُ الهادئة لا تصنع بَحّارًا ماهرًا“ كلمات عميقة في معناها، قالها فرانكلين روزفلت، الرئيس الأمريكي الوحيد الذي انتخبه الأمريكيون أربع مرات وهي حادثة لم تتكرر في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. وقد شهدت أمريكا في عهده أكبر أزمات القرن العشرين، منها الكساد الإقتصادي العظيم الذي دام عشرة أعوام ونَيّفْ «1928 - 1939»، تلته الحرب العالمية الثانية التي استمرت خمسة أعوام. أزمات ليست بالهينة والعابرة، لكن هذا الرئيس وإدارته تغلبوا على كلتا الأزمتين واجتازُوها بحكمة ودراية، ورؤية ثاقبة وتخطيط مُحْكَم وذلك من خلال حُزَم من البرامج الإصلاحية المتكاملة.

وقت الشدائد يتوجه العقلانيون لاستخدام طاقاتهم لخلق إمكانيات أكبر لمواجهة قَدَرهم المَحتوم. غالبًا ما ينظر المُتَعَقّلون من البشر إلى ما وراء الأزمات، ليُولّدوا منها فُرَصًا وعادات تُمكّنهم من مُواجهة الحاضر بثقة، والتهيؤ للمستقبل دون أن يُراودهم خوف أو وَجَل.