آخر تحديث: 6 / 6 / 2020م - 5:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

أين التطلع والطموح يا مؤسساتنا الأهلية؟

محمد الصلاح *

يُعرّف الطموح في اللغة بأنّه الارتفاع وكل ما هو مرتفع فهو طامح لهذا يقال بحَرٌ طَمُوحُ المَوْج: أي مرتفعُه

ويعرف اصطلاحا بطلب الوصول للهدف العالي والمرتفع الذي جعله الإنسان له في هذه الحياة وسخر جميع طاقاته وقدراته لتحقيقه

وإنما يتفاوت الناس في هذه الحياة من خلال الأهداف والتطلعات التي يتنافسون عليها ولهذا أكد الشارع المقدس مشروعية وأهمية التنافس حيينما أمر به حيث قال سبحانه وتعالى «وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ» والتنافس هنا بمعنى التغالب والتسابق على الشي النفيس الذي قيمته نفيسة وعالية

ولا يخفى أن الطموح والتنافس من سمات المجتمعات الحية والناجحة ولهذا ينبغي لها أن تحارب جميع الأفكار والثقافات المثبطة بشتى الوسائل بل وأيضا محاربة الأفكار السطحية التي تكبل الإنسان وتمنعه من العمل والسعي نحو تحقيق التطلعات والطموحات والاكتفاء بما هو أقل منها بكثير ومن هنا تبدأ المشكلة فتعيش المجتمعات بداية الانحدار والسقوط نحو الهاوية

فخير للإنسان الطموح أن لا يركن ولا ينصت بل ولا يستمع للأفكار المثبطة التي تجعله غافلا عن قدراته وطاقاته التي أشار إليها أمير المؤمنين بقوله:

دواؤكَ فيكَ وما تُبصرُ *** وداؤكَ منكَ وما تشعرُ

أتزعم أنّك جرمٌ صغير *** وفيكَ انطوى العالم الأكبرُ

وأنت الكتاب المُبين الذي *** بأحرفه يَظهر المُضمَرُ

وما حاجةٌ لكَ مِن خارجٍ *** وفِكْركَ فيكَ وما تصدرُ

ومن أروع وأجمل ما قرأت ما نقل عن طالب في أحدى الجامعات الكولومبية حيث حضر لمحاضرة لمادة الرياضيات في يوم من الأيام فجلس في آخر القاعة ولعله كان متعبا ومرهقا فغلبه النعاس فنام بهدوء في وقت المحاضرة وفي نهايتها استيقظ على أصوات الطلاب المرتفعة فنظر إلى السبورة فوجد أن الدكتور كتب عليها مسألتين فنقلهما بسرعة وخرج من القاعة وعندما وصل إلى البيت بدء يفكر بهدوء لحل المسألتين.. وللحق كانتا مسألتان فيهما من الصعوبة ما لا ينكره ذو لب وعقل، فما كان منه الا وذهب إلى مكتبة الجامعة وأخذ يبحث في المصادر والمراجع التي قد تفيده في العثور على الإجابة الشافية وبعد أربعة أيام متواصلة من البحث استطاع أن يجد حلا للمسألة الأولى بكل جدارة، الا أنه كان ناقما على الدكتور المحاضر!! الذي أعطاهم هذا الواجب الصعب!! وعندما حان موعد الدرس المقبل لمادة الرياضيات حضر الطالب وبيده الحل اللازم لتلك المسألة ولكنه استغرب كيف أن الدكتور المحاضر لم يطلب من الطلاب ذلك الواجب فما كان من الطالب إلا ورفع صوته قائلا: أيها الدكتور المحترم لقد استغرقت في حل المسألة الأولى أربعة أيام متواصلة …وحللتها في أربعة أوراق!! فتعجب الدكتور وقال له عن أي شيء تتكلم؟؟ فقال عن الواجب الذي كلفتنا به في المحاضرة السابقة!! قال الدكتور: ولكني لم أكلفكم بأي واجب!!! وإن كنت تسأل عن المسألتين اللتين كتبتهما على السبورة فما هي مثال للمسائل التي عجز العلم حتى الآن عن حلها!!! فلو كان هذا الطالب مستيقظاً حينها وسمع كلام الدكتور المحاضر لما توصل الى حل لها بل لما فكر في حلها من الأساس ولكن نومته هي من جعلته يبذل قصارى جهده وطاقته ليصل لذلك الحل المعجز وكما يقال لا تزال الإجابة على تلك المسألة بورقاتها الأربع محفوظة في تلك الجامعة ولهذا يمكن القول أنه رب نومة نافعة؟؟؟ لأن الأفكار المخدرة والمثبطة هي سلاح فتاك لتجميد الطاقات والقدرات الهائلة المودعة فينا

وكما يقول «مايكل نولان»: لا تفكر بالأحلام التي تناسب قدراتك، بل فكر بالقدرات التي تناسب أحلامك

ولاشك ولا ريب أن الله تعالى قد منح عباده من القدرات والطاقات ما لا يعلم بها الا هو سبحانه وتعالى ولقد أشار أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب لهذه الحقيقة

بقوله: «ما رام امرؤ شيئاً إلا وصله أو ما دونه»

وقوله «المرء يطير بهمته كما يطير الطائر بجناحيه»

وقوله «ما ضعف بدن قط عما قويت عليه النية»

وقد نقل عن الفيلسوف والاقتصادي البريطاني «جون ستيوارت مل» المولود في لندن عام 1806م أنه قال: شخص واحد يؤمن بقدراته ويصر على تحقيق أهدافه، أقوى من 99 شخصاً لا يملكون سوى الأماني

ويقول آينشتاين: يدفعك الأسى إلى الوراء، ويبقيك القلق مكانك، وينطلق بك الطموح إلى الأمام.

فسؤالي العفوي الى جميع مؤسساتنا الاجتماعية والأهلية أين التطلع والطموح للارتقاء بها الى ما فيه رفعة وعلوا لها وللمجتمع؟

وكيف نرضى لأن تتسرب لنا تلك الأفكار السطحية والبسيطة فنعتقد بأنها طريقنا الأمثل للخلاص من أزمات مادية عصفت ولا زالت تعصف بمؤسساتنا الاجتماعية والأهلية؟؟

كيف نسمح ونرضى لأنفسنا بأن نقتنص الفرص البسيطة والمتواضعة معتقدين ان فوات الفرصة غصة والفرصة سريعة الفوت بطيئة العود فنغتنمها قبل فواتها!!

لجلب دراهم معدودة من مال «صدقة أو زكاة أو غير ذلك» لنستولي عليها وقد خصصها أصحابها لفقير او لمسكين أو لرحم بغية التراحم والترابط الأسري والاجتماعي ونحن قادرون على فعل ما هو أفضل من ذلك ولكننا لا نريد أن نفعل لسبب او لأخر؟؟؟

فهل هذا هو الطموح والتطلع لإنجاح تلك المؤسسات التي ينبغي أن تكون مدار إهتمام وعناية من جميع أبناء المجتمع وشراائحة قاطبة بلا إستثناء «فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» ولكن تبقى هذه المسؤولية متفاوتة من شخص الى آخر!!!!