آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 12:48 ص

الطموح محرك تحفيزي

ورد عن الإمام الصادق : ﴿من استوى يوماه فهو مغبون «بحار الأنوار ج 68 ص 173».

حينما نتفحص حياة العاملين - لا الكسالى - نجد هناك من يحيا الهمة في عمله أو دراسته، ولكنه بعد فترة يخبو كشمس الليل متخليا عن هدف عمل على تحقيقه لفترة معينة وبذل جهدا كبيرا ليبصر النور، ولكنه تخلى عن كل شيء كمن وقف في منتصف الطريق تائها وعازفا عن إكمال المشوار.

وهناك من تجده يسير بخطى ثابتة متخطيا المراحل الواحدة تلو الأخرى، وإذا واجهته صعوبات أو إخفاق في محطة ما فإنه يتميز عن النموذج الأول بالتمسك بهدفه ولا يتخلى عنه، ففي الوقت الذي تبدر فيه التوقعات بأن يكون كغيره فيترك ما يعمل من أجله بعد أن ظهرت العقبات، وإذا به يعمل على حل المشكلة والصبر حتى يتم إصلاح الأخطاء وأوجه التقصير عنده، ومن ثم ينطلق كقطار يشق طريقه بكل اقتدار، ولا شك بوجود عامل مؤثر يمايز بين النموذجين وهو المعيار الدافع نحو الإنجاز بقوة.

الفارق هو الطموح الذي يكسب الإنسان الحافز والسعي نحو استثمار ما يمتلكه من قدرات ومهارات لتحقيق مسعاه، فالطموح دافع ذاتي يتحرك بالتوازي مع الثقة بالنفس والقدرات مع وضع الهدف الذي يصبو إليه نصب عينيه، وهذا الطموح يتجلى على شكل تنمية لجوانب شخصيته الروحية والثقافية والإنجازية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها.

كما يتجلى - بوضوح - بالإصرار على وضع طابع عام لكل يوم يعيشه ليتحول إلى مشروع عمل يغتنمه ليكون جزءا من مسيرته نحو الإنجاز والتألق، فيرى من الغبن وأفون في نضجه الفكري ومن الخسارة أن يضيع وقته في ذلك اليوم، بل يخطط له ويترجم مساعيه على أرض الواقع - لا الأحلام - متحملا مسئولية مواصلة ما عمل له، غير مستعد للتفريط بسهولة عن أهدافه التي تشكل عنده الثروة الحقيقية لوجوده الإنجازي.

ما يعمل على الاهتمام بالوقت واغتنامه وتجنب كل العوامل التي تؤدي إلى التفريط به، هو ذلك الطموح الذي يدعوه إلى تحويل الأيام إلى فرص متاحة أمامه لا ينبغي التغافل عنها، ويضع الإمام الصادق معيارا يفصح عن امتلاكنا للحافز نحو تنمية طاقاتنا وخبراتنا، من خلال جعل الأيام كالسلم يصعد في كل يوم منه درجة ويرقى متربصا ذلك اليوم الذي يعتلي فيه إلى اقتطاف ثمرة جهوده وتحقيق أهدافه، ومتى ما وجد أن اليوم الذي يحياه لا يتميز بشيء في بصماته الإنجازية فيها كما يقول البعض لا شيء جديد في تنمية معارفه وقيمه ومنجزاته، فهذا التساوي في أيامه يعني وجود خلل لابد من معالجته، ويكشف عن فقدانه للطموح المحرك لقواه نحو الارتقاء والتألق وتجاوز ما حققه حاليا.

والطموح لا يقتصر على جانب دون آخر كما يتصوره البعض مقتصرا على الجانب التعليمي والوظيفي فقط، بل يشمل كل الجوانب المكتنفة في شخصيته بجهد متكامل، ففي الجانب الروحي يعمل على تنمية علاقته بربه محافظا على ما يمتلكه من أرضية إيمانية يعتمدها للبناء الروحي، فيجد في كل يوم فرصة للارتقاء في أجواء الوقوف بين يديه تعالى ومناجاته والتحرز من الوقوع في الخطايا.

كما يعتمد الخطة التألقية في الجانب المعرفي والتزود من المعلومات المنمية لفكره وإنضاج نظرته للحقائق والمفاهيم والأحداث، كما يطمح في الجانب النفسي لتقوية إرادته وهمته لتجاوز ما يواجهه من صعاب قد تصيب الإنسان بالاستنزاف واليأس في نهاية الأمر، كما يطمح في الجانب الأخلاقي إلى التخلص من الآفات والصفات الذميمة والعيوب، ويصعد في فضاء الخلق الرفيع متحليا بمقومات الصدق والأمانة والعفة، كما أنه يطمح في الجانب الاجتماعي لتكوين أفضل العلاقات الراسخة والمستقرة والتي تقوم على أساس الاحترام والثقة المتبادلة والتعاون.

وعلى مستوى علاقته الأسرية لا يمكن الوصول إلى الهدف المبتغى من علاقات الود والانسجام والمشاركة الحقيقية مع شريك حياته دفعة واحدة، بل يضعه كهدف يتخطى في كل يوم منه مرحلة إلى تقوية العلاقة بشريك الحياة طامحا للوصول إلى أعلى درجات الناستقرار والسعادة.

والخلاصة أن الطموح محرك تحفيزي يدفعنا نحو تنمية قدراتنا واغتنام الأوقات لتحقيق الأهداف المدروسة والمخطط لها، بحيث تكون إشراقة كل يوم جديد مرحلة استكمالية في العمل المثابر لما سبق، فلا يأس ولا تثاؤب ولا ملل في حياة الطموح إذ لو استثمر كل أوقاته في ميدان التألق في شخصيته وعلاقاته لما كان راضيا عما وصل إليه.