آخر تحديث: 23 / 10 / 2020م - 1:57 م

الناصح الأمين

قال تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ﴿الشعراء الآية 136.

تحدثنا الآية الكريمة عن ردة فعل قوم نبي الله هود من جهوده الإرشادية إلى الحق، وترك ما هم مقيمون عليه من انحراف عقائدي يتمثل بعبادة غير الواحد القهار، والذي يشهد بوجوده وتدبيره صنعه في خلقه كل ذرة في الكون، ونهاهم عن المفاسد الأخلاقية وما تجره عليهم من وبال الخسران والضياع، وقد ساق ذلك نبي الله هود بأفضل الأساليب الإقناعية التي يذعن لها العقل الرشيد ، ومما يدل على سخف عقولهم هذا الرد الآتي. منهم والذي هو دليل إدانة من ألسنتهم، فهم يقرون على أنفسهم بأنهم ليسوا أهلا للنصيحة ولا تفيد معهم كل ما يقدمه من براهين عقلية، فالموعظة من عدمها لا يغير في مشهد أفكارهم وقناعاتهم شيئا، فأين عقولهم من الردود المنطقية الاستدلالية في الرد والتحاور، وإنما اتخذوا الهوى إماما لينطق الجهل والغفلة من أفواههم، وكفى بالإنسان شاهدا على نفسه حينما ينبيء أنه ليس أهلا لهذا المقام الرفيع وهو استساغة النصيحة وتقبلها، والرفض المقبول لأي كلمة هو ما كان في نطاق التحاور البرهاني لا الردود القائمة على الرغبات والشهوات والميول كما كان عليه قوم هود ، فلماذا يأبى الإنسان هذه التحفة السنية وهي النصيحة الثمينة، والتي تحثه على عمل خيري وسلوك إيجابي أو ينهاه عن نقيصة أو عيب، يكتسب إن قبلها تكاملا وقطع مرحلة من الرقي الفكري والتألق القيمي؟

ما هي أهمية النصيحة والنقد الإيجابي في تصحيح المسار الفكري والسلوكي للفرد؟

المجتمعات التي تتحلى بالرشد والنضج الفكري من سماتها المهمة هي وجود تلك الأصوات الحكيمة التي تأخذ بيد الأفراد نحو الخير والصلاح وتنتشلهم من واقع الأفعال والظواهر الخاطئة، بما ينعكس على تنمية المجتمع باحتوائه على أفراد يحظون بمنطق التصويب والإرشاد في وجه تلك الأفكار السلبية كالتشاؤم والحوارات الطائشة وغيرها، وكذلك تعمل بكل جد واجتهاد نحو التغيير الإيجابي لتلك السلوكيات غير المتزنة، إذ أن النصيحة لو فقدت لكان الوضع تماما كغياب الطبيب في مجتمع، سيؤدي إلى انتشار الأمراض والأوبئة الفتاكة دون وجود من يدرؤها ويعالج المرضى من خطرها، وكذلك وجود الناصح الأمين في المجتمع يمارس الدور الوقائي «التحذيري» والعلاجي تجاه الأمراض والمشاكل العقائدية والأخلاقية والثقافية والاجتماعية وغيرها.

و خير من قاد مسيرة النصح والأخذ بالأيدي نحو النضج الفكري والعفة والاستقامة هم الأنبياء العظام ، كما يحدثنا القرآن الكريم في قصص الأنبياء وحواراتهم وإرشادهم لأقوامهم، والتي تستحق الوقفات التأملية في مضمونها العالي وأساليبها الرائعة التي يقتدي بها المؤمن المصلح في مجتمعه، ومن تلك المضامين هو الوقوع على العوامل المؤدية إلى رفض الإنسان لمكسب ومغنم يعلي شأنه ويقيه من الزلل ألا وهو النصيحة.

من عوامل رفض النصيحة التكبر النفسي الذي يعمل على صد كل محاولات تنبيه الفرد على ما يرتكبه من أخطاء، فانتفاخ ذاته يجعل منها قداسة لا تقبل أي مقاربة توجيه نقد لها، بل ويرى في النصيحة محاولة للهجوم عليه والتعرض بسوء لقدراته، فيحول علاقاته إلى ساحة معركة يسن لها كل وسائل الدفاع عن نفسه النرجسية، فلا يمكنه قبول أي نصيحة مهما كانت نصاعتها وبراعة أسلوب ملقيها.

ومن تلك العوامل هو طريقة تفكير الإنسان وتكوين قناعاته ومرئياته، فالطريق القويم هو تحكيم العقل الواعي وتأسيس التصورات على مقومات الاستدلال، ولكن البعض يتحكم فيه الأهواء والميول النفسية فيتزمت لما تلقاه وما يتوافق مع رغباته وإن باين الحقيقة، ولذا فالسخافات والخزعبلات قد تتحول عند البعض من أوهام لا قيمة لها إلى مسالك للمعرفة كتقليد الآباء، أو التوافق مع حياة الغرائز والشهوات المتفلتة فيجعلها معيارا لتصوراته.

ومن تلك العوامل هو التخوف من الإقدام على التغيير نحو الأفضل، والذي يعني تحمل المسئولية وبذل الجهود الحثيثة في سبيل إحداث واقع جديد، والبعض لا يمتلك تلك الإرادة والهمة التي تقوده إلى نفض غبار التقصير وارتكاب الخطيئة.

ومن تلك العوامل التربية الخاطئة والبيئة غير المناسبة لتنمية شخصية الفرد، وذلك أن الثقافة التي يحملها منذ الصغر والتي تكسبه القدرة على مراجعة النفس والخطوات، ومن ثم يعمل على تصحيح ما ارتكبه من خطأ أو تقصير، لم تكن موجودة ولذلك لا يتقبل فكرة التخطئة أو مجرد إبداء ملاحظات على فكرة أو سلوك منه، ويتخذ من أساليب الدفاع التبرير والالتفاف على النصيحة بإيجاد الأعذار الواهية سبيلا للحفاظ على مكانته كما يعتقد!!