آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 12:48 ص

حصار المنازل ومرح العزلة

محمد الحرز * صحيفة اليوم

نحن محاصرون في منازلنا بينما العزلة تمرح في شوارع وطرق مدن العالم. الحصار آلة الحروب على مر التاريخ، قوة فتاكة ونتائجها مرعبة، حصار سراييفو، حصار ستاليننغراد. الخوف، الجوع، كوابيس الموت والقتل هي بعض ما تخلفه هذه الآلة.

لكن أليس هذا النوع من الحصار مرتبطا أساسا بالحروب فقط؟ أم إننا في حالة حرب أمام عدو حتى يتم حصارنا؟ نعم أعتقد أننا في حالة حرب، وأفضل تسمية تنطبق على هذه الحالة هي «الحصار».

لكنه مخادع في أسلوبه ومرن في تخفيه، لا تراه أمامك، لا تبصره بالعين المجردة، لا يتبع طرق الحصار المعتادة في الحروب، لا يصادر ضرورات الحياة اليومية: الأكل والشرب ولا حتى الأسلحة التي تدافع بها عن نفسك، ولا يضيق الخناق عليها، ويترك الحدود بينك وبينه مفتوحة حتى تظن أنها مجرد خدعة للتسلية لا أكثر.

إرباك الحواس هو إحدى أهم طرقه للحصار. تفتح حنفية الماء، تدعك راحتي يديك تحتها بالصابون، وفي الأثناء يكون ذهنك مشغولا بالعد لمدة أربعين ثانية - حسب التعليمات الصحية - وفي ذات الوقت تفكر في إغلاق الحنفية بالطريقة التي تجنبك ملامستها مباشرة. يستغرق منك هذا التفكير في جزء أقل من الثانية، ثم تفاجأ أيضا بمقبض باب الحمام الذي عليك أن تفتحه بإحدى راحتيك.

إنها معركة بينك وبين حواسك، يتنافر فيها حاسة اللمس مع حاسة البصر، والشعور بالحيرة المفضي للقلق هو نتاج هذا التنافر.

المسافة أيضا هي حصار آخر. تصور أن يتم وضع لوحة إعلانات على ظهرك مكتوب عليها: خطر، ممنوع الاقتراب. المسافة المتخيلة في ذهنك تكون أقسى عليك من المسافة الواقعية. يقول الأطباء: اترك مسافة متر ونصف أو مترين بينك وبين الشخص الآخر. نحن نستجيب لهذه المقولة دون أدنى جهد فكري أو سلوكي، محفزات السلامة والصحة ودوافعها هي أحد المنابع القبلية «بتسكين الباء» عند الإنسان.

لكن لا شيء واضح لك حين تشتغل مخيلتك بقوة محاولة تخفيف وطأة قيد المسافة بالهروب إلى تفسيره بلغة الصورة. لكن أغلب الأحيان يأتي الأمر عكسيا، يتحول إلى كابوس مرعب إذا كانت مخيلتك مدربة على لغة غنية وثرية بالصور، أما إذا كانت تفتقر للتدريب فيكون وطؤها أخف بكثير. للتوضيح: هناك نموذجان شخص مبدع متمرس على إعمال مخيلته في شتى صنوف الإبداع، إذا ما أراد تمثل هذه النصيحة من الأطباء، فإنه سيصارع هذا القيد بسلاح المخيلة.

لكن الرابح الأكبر في الصراع هو المخيلة نفسها لا الشخص نفسه ولا الفيروس وقيده. فرعب الصورة كما تمثلناها في لوحة الإعلانات ليست سوى مثال على ما تنتجه المخيلة في هذه الظروف. رغم ذلك يظل حصار الفيروس هو اليد الخفية المحركة للمخيلة من خلف المشهد. بينما الشخص الآخر الذي لا تعمل مخيلته بقوة تظل أحاسيسه مشدودة إلى حدود الواقع ومشروطة بتعاليم وسلامة الجسد. لذلك إحساسه وشعوره بالخطر وكل ما يمثل دلالاته تقف عنده في حدودها الدنيا.

إذا كانت المسافة مقيدة مع هذا الفيروس، فإن الهواء العابر الأنف والفم هو أيضا مشروط بخلوه منه. الكمامات وسيلة ناجعة للوقاية منه. وأصبح خط دفاعه الأول. لكنه هش وقابل للاختراق، وحينما تتساءل بينك وبين نفسك: لماذا لم يدرب الإنسان عبر تاريخه حاستي الشم والذوق على تجاوز مثل هذه الأزمات، بحيث يملك كل منهما القدرة على فرز الهواء المحمل بالفيروس من الهواء النقي؟ سؤال عبثي مقطوع الصلة بالعلم والطب سوى أنه من نتاج المخيلة المتصل بحصار الفيروس.

المأساة الكبرى في كل هذا الأمر، هو أنك تفتح نافذة منزلك، ترى العزلة تلعب وتمرح في الشوارع والأمكنة والأسواق التي لطالما ظلت بمنأى عنها سنين طويلة، إنها تنتقم لنفسها الآن من شيء ابتكره الإنسان اسمه «العولمة». إنها لا تكتفي بذلك بل تطل عليك من شاشة جوالك وكمبيوترك لتقول لك: اكتب تاريخي.. تاريخ العزلة.