آخر تحديث: 19 / 10 / 2020م - 11:59 م

دفاتر من الماضي

صدور الخطأ والاشتباه في أي فكرة نبديها لا يمثل مشكلة تستحق الوقوف عندها منا ومن الآخرين كثيرا، وذلك أن صدور الخطأ يستدعي الالتفات إليه والتحرك نحو تصحيحه وتدارك تبعاته ومن ثم الانطلاق بعده في ميادين المعرفة والثقافة، وكذلك بالنسبة لمن تلقاها بنحو خاطيء فيكفيه تصحيح المعلومة أو الصورة بدون المساس بصاحبها أو التعرض لشخصيته باستنقاص أو تجاهل.

والأمر ينطبق على ما نراه من سلوكيات سلبية وتصرفات غير مقبولة، فالمطلوب من صاحبها تعديل ذلك الوضع وتصحيحه من جهة، ومن الآخرين ألا يتم تضخيم ذلك التصرف باعتباره نقطة ضعف عند صاحبه ومحاولة تسويقها في المجالس والحوارات العامة، حتى يتحول الأمر إلى مرض نفسي عند البعض فيسلط عينه وآذانه على التقاط ما يقع فيه الغير من أخطاء وهفوات، وهذا المتصيد بعيد - كل البعد - عن طلب الصواب والستر على الآخرين والانشغال بما يقع منه من تقصير بدلا من تركيزه على الآخرين، بل يعمل على التقاط كل ما من شأنه أن يسقط غيره في عيون الناس في شتى مناحي الحياة وأماكن العمل ومحيط علاقاته الاجتماعية والأسرية.

والبعض يحذوهم حب الظهور والإشارة لهم بالبنان وتسليط الأضواء على ما يتحدثون به من دقائق تفاصيل حياة الناس وعثراتهم، وكأن المتصيد مركز إعلامي يلتقط كل شاردة وواردة وما تهمس به الآذان، ولا يقف عند حرمة انتهاك خصوصيات الآخرين بل يبدأ في بث كل ما يصله مهما أحدث من فتن وكراهيات، فنفسه المريضة لا يخفف من علتها سوى قراءة نشرة إخبارية يومية حول خفايا شخصيات الناس وما ارتكبوه من زلل وإن تقادم عليه الزمن.

ومما يحرك المرء نحو تصيد أخطاء الغير هو تحكم بعض الصفات السيئة فيه بمنسوب زائد كالغيرة، فيدفعه ذلك إلى مناصبة العداء للغير ومحاولة الإمساك بثغرة في سجله وبثها بين الناس مما يشفي غليل قلبه المريض، فيدفعه حب الانتقام لرؤية مشهد سيء هو لوك الألسن ونهش لحم الغير.

كما أن البعض من المتصيدين يحمل صفة العداء للنجاح والمتميزين، فلا يمكنه تحمل الإشادة بما يحققه غيره من منجزات يقصر عن أدائها، فلا يجد سبيلا في التشويش عليه إلا من خلال نبش دفاتر الماضي لينشر من زلات الناجحين ما يخيب فيهم الآمال ويصرف النفوس المعجبة بهم عنهم.

ويعد تصيد الأخطاء نوعا من اقتحام عالم الآخرين الخاص عنوة لتخريب كل جميل فيه، متناسيا أن الإنسان لا يخلو من الخطأ وصدور التقصير، والتعامل الحقيقي معه من الإنسان السوي في فطرته هو التنبيه عليه ونصحه لا فضحه، ولكن المتصيد جعله سبيلا يسلكه ويجهد نفسه في تجميع هذه الأوساخ وضمها إليه وكأنه برميل قمامة يسعد بإلقاء العثرات فيه!!

وليس هناك من صعوبة تذكر في التخلص من هذه العادة السيئة فيكفي المرء النظر في عيوبه ومحاولة إصلاحها بدلا من الاشتغال بعثرات الآخرين، ولو اعتدنا على ذكر الإيجابيات والخصال الحسنة في كل إنسان لاستنكفنا وتجنبنا إذاعة السلبيات وتصيد الأخطاء، فذلك أفضل وأسلم لقلوبنا من امتلائها بالضغائن والأحقاد وما ينتج منها من خصومات وتفرقة بين الناس.

ومما يساعد على إشاعة الأجواء الاجتماعية الصحية وحفظ علاقة الناس ببعضهم بنحو الاستقرار والاحترام، هو تقبل وقوع الخطأ من الغير والقدرة على التسامح والتجاوز عنه بعيدا عن التعيير وإشاعة التصيد، فيدفعهم ذلك نحو التصالح مع النفس وتجنب كل بؤر التوتر في العلاقات يعصف بها، فالمثالية الزائدة وهم علينا أن ندرك خطأ التعامل معه، ووقوع الخطأ أمر وارد ينبغي أن نهرع لإصلاحه ومن ثم إكمال مسيرنا نحو الخير والصلاح، كما أن المجالس بتجنب التصيد للأخكاء يصفو جوها من هذا الوباء مما يجنبنا ذلك الهدر في الأوقات.