آخر تحديث: 8 / 8 / 2020م - 6:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

كورونا يُعيدنا إلى زمن الحصير

عباس سالم

تزدحم الإشتياقات في الذاكرة المثقلة من المتغيرات في نمط حياتنا التي فرضها علينا فيروس كورونا اليوم، فأشتاق لأسمع القرآن الكريم يتلى كل صباح داخل بيوت الطين التي بللها المطر، بأصوات المؤمنين من رجال بلدتي الذين غادروا هذه الحياة دون رجعة، وأغمض عيني فأري جدتي في حوش بيتنا القديم تتدثر بمخنقها القطيفي جالسة على الحصير ونحن حول موقدها نرهف لسماع القصص منها.

عندما يبكي من افترش الحصير وأبعدته مشاغل الحياة وزغرفتها عن أهله ومحبيه، وفجأة يرى ملايين البشر محرومين من رؤية أهلهم عن قرب، بل لا بدا أن تكون بينهم مسافات ويحذرهم من خوف اللقاء بعدم اللمس والمصافحة، ويخرج للشارع فيجد الناس تخاف من بعضها البعض فالقبلة والعناق أصبحت من الماضي في زمن الكورونا وأصبحنا نخاف ممن يسكنون معنا أو حولنا..!!

عندما يبكي من افترش الحصير حينما يمر على المساجد ويجدها فارغة من المصلين! ثم يرفع رأسه إلى السماء يا اللهي حتى أماكن عبادتك أغلقها ذلك الفيروس اللعين! قم يا بلال وأذن في الناس وحده الأذان فلا صوت يعلو على صوت ذكر الله تعالى الذي أسكن العالم، في زمن الكورونا عُلِقَتْ كل المناسبات الدينية فلم يعد للرواديد صوتاً كما كانوا! ولم تعد أصواتهم تتحفنا في مدح آل البيت كما هي عادتهم في شهر شعبان.

لم يعد العالم اليوم كما عرفناه صاخباً وينبض بالحياة، فجأةً سكت كل شيء فيه وأصبحت الطرقات وأزقة البلدة خالية من المارة، وتوقفت حركة السيارات وأصوات الهرنات، وسكت ضجيج الدراجات النارية في الشوارع، ولم نعد نسمع طقطقة كؤوس الشاي في المقاهي الشعبية ولا ضحكات السهارى في الديوانيات والمزارع والاستراحات إلى حيث يدبر الليل ويقطع وئيدا طريقه إلى الصباح.

في زمن الكورونا خلت الكعبة المشرفة من الطائفين والركع السجود..!! وتركت وحيده في منتصف الكرة الأرضية، توقفت عقارب الساعة وتوقفت كل الأحلام التي تدور في عقول ألبشر، فالكل خائف ومترقب ويسأل: ما الذي قلب قوانين الحياة العصرية وبدل أحوالنا؟ وهل هو عقاب من الله لمعاقبتنا على ما فعلناه من آثام وإرسال هذه الجرثومة الصغيرة تنبيهاً لنا لإعادة برمجة حياتنا؟ أنه عقابًا جماعيًا على ما اقترفته أيدي البشر بحق ألإنسانية والطبيعة والأرض.

وباء فيروس كورونا نزل علينا وأقلق راحتنا، لكنه أعاد لنا فضائل جميلة لا يعرفها إلا الناس من الجيل الذين جلسوا على الحصير ورتلوا القرآن الكريم في لِمْعَلِمْ، كورونا أعاد لنا نمط حياتنا في زمن الطفولة وذكرياتها، وأعاد لنا ما افتقدناه من جمال الحياة في الزمن الجميل حيث لا خروج لنا من البيت بعد صلاة المغرب والجميع يكون داخل البيت، عادات تغيرت بسبب شهوات الدنيا ومغرياتها وتغيرنا دون أن نشعر وكأنها سلبت منا تحت تأثير مقومات الحياة الترفيهية.

ختاماً في هذا العام سوف تكون كل الأحياء البيئية التي تعيش في الطبيعة بلا إزعاج، الأبقار في المزارع خرجت للشوارع بكل أمان، والكلاب تمر بين الأحياء من دون أن يرميها أحد بحجر، والطيور بأنواعها تحلق بلا صياد، والنحلة تتنقل بين الورود بلا أعين تناظر مسارها، والفراشات تتلألأ فوق أغصان الشجر من دون أن يراها أحد، فهذه الحياة كما هي كانت في زمن الحصير.