آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 12:25 ص

النفس إطلالة حياة

قبل أن ينطلق المرء في دروب الحياة وميادينها الثقافية والاجتماعية والعملية وغيرها، مستطلعا كل جوانبها ومبانيها ونقاط القوة والضعف في كل اتجاه، عليه أن يكتشف دواخله ومحركاته الفكرية والوجدانية والانفعالية ألا وهي نفسه، فالنفس المحفوفة بتآزر طاقاتها يمكنها أن تنطلق في مسيرها التكاملي بكل قوة واقتدار، فكم من إنسان يبحث عن نجاحه وسعادته في كل مكان متناسيا أنها تكمن في اكتشاف نفسه وما يكتنفها من عوامل قوة وضعف، إذ من الطرق البناءة لفهم الحياة وحقائقها والسير الصائب فيها متجنبا كل عثراتها المسقطة للإنسان، هو فهم وإدراك قواه ومن ثم يبني أهدافه وتطلعاته متقومة بها، فالحياة دروب عمل وبذل جهود تقابلها تحديات وصعاب وعثرات لا يقوى على تحملها من لم يبن نفسه بجدارية التحمل والنفس الطويل وتصويب الأخطاء وحمل بارقة الأمل، فتقلبات الحياة يسقط بين جنباتها أصحاب النفوس الضعيفة والذين تغمرهم مشاعر اليأس والقلق من المجهول، بينما يصارع التحديات بكل اقتدار أصحاب الهمم العالية، وبعد كل جولة من تلك الأزمات يتجاوزونها متعافين مما لحقهم من آلام.

الإطلالة على الحياة ومعترك العلاقات والعمل فيها من نافذة النفس تصور واقعي يرسمه خط المعرفة والخبرات السابقة، فالحياة محور حركتها بالنسبة لكل إنسان هو ما يحمله من تصورات وانفعالات ونظرات لما حوله، فكم من إنسان عاش في دروب التيه والألم والإخفاق بسبب تصورات تبين له أنها مجرد أوهام ضيعت من وقته الشيء الكثير، وكم من إنسان يرسم آمالا مستقبلية تفوق مستوى قدراته وطاقاته، فتلك الأهداف ذات السقوف العالية كانت تتناسب مع غيره إلا أنها غير ملائمة له، فمعرفة الإنسان قدر نفسه هو المنطلق الحقيقي لسبر أغوار الحياة على مختلف الأصعدة، ويقيه من الوقوع في أخطاء ما كان ينبغي الوقوع فيها لو ارتد بصره رشيدا بالبحث في خبايا معارفه وقدراته وانفعالاته.

اكتشاف النفس هو الوقوف أمام مرآة المصارحة والنقد والملاحظة الموضوعية لكل ما يصدر منه من أقوال ومواقف ومشاعر واتجاهات بتقييم وبحث دقيق، فألف باء الانطلاق في الحياة معرفة أوجه الضعف والقصور في قدراتنا ومن ثم العمل على معالجتها، كما أن آلية المحاسبة تعطي متابعة حثيثة وتقويما وتصويبا مستمرا لأعمالنا، مما يجنبنا الجهل بأقرب شيء لنا وهي أنفسنا التي بين جوانحنا، فالمغرور والأناني والسفيه والغضوب وغيرها من العيوب والصفات غير المرغوب فيها، أوبئة ما كان لها أن تنتشر وتصبح سمة غالبة لصاحبها لو جرت لها معالجة للتخلص منها.

كما أن الارتقاء وتنمية القدرات والتدرج في مراقي التألق والإنجاز والنجاح يحتاج إلى إبحار في أعماق النفس، فالرقي في شخصية الإنسان يعني قدرة على ضبط النفس والاتسام بالهدوء في أصعب الظروف وأحلكها، فالانفعال الشديد بسبب محنة يمر بها يعني تشوشا في الفكر وشللا عمليا عن الإنجاز المتقن، وكذلك من معالم الرقي النفسي اتخاذ القرارات المناسبة والتفكير المنطقي في حل المشكلات بعيد عن التهور والطيش والسفه، ومرد هذا الارتقاء إلى بناء النفس وتنمية قدراتها وأوجه قوتها للتعامل مع المواقف بحرفية عالية، فالحياة كالبحر الهائج تتلاطم ولا تستقر أبدا ولا ينجو من عواصفها الهائجة إلا الربان الحكيم صاحب النفس الطويل للحيلولة دون إغراق مركبه.

ومعرفة النفس لا تقتصر على تبين نقاط القوة والضعف وإبصار مواطن الخلل في قدراتنا وانفعالاتنا، بل هي دراسة متكاملة لجميع جوانب حياتنا بعين الكشف المجهر قبل البدء بأي خطوة في العمل أو العلاقات، فالعارف الحقيقي بنفسه يطوع العامل الزمني ويتآزر معه طاقاته الداخلية؛ ليتحول ذلك المزيج إلى عامل تحفيز نشط يجوب ميادين المعرفة والعمل محفوفا بدراسة للأهداف وتوقع النتائج، ومدعوما بالثقة بالنفس والطموحات المناسبة لتحقيق الغايات المرجوة، وأما من عاش الغموض لدواخله وما يضمه من أحاسيس وتصورات وقدرات، فلن ينعم يوما بالحياة السعيدة المتمثلة بمواجهات يومية للصعاب والعمل على تذليلها وتجاوزها.