آخر تحديث: 6 / 8 / 2020م - 12:38 ص  بتوقيت مكة المكرمة

من صفحات الذاكرة

”العمدة“ ورجال العسس

أحمد منصور الخرمدي *

حتى وقت قريب كان هناك دور آمني مسند من الدولة حفظها الله، إلى رجال في زي مدني من أهالي الحي أو البلدة يجوبون الشوارع والأسواق لحماية الحي ليلاً.

هم رجال آمن عرفوا ”بالعسس“، وكان العمدة حينذاك هو الشخص الذي له دور مهني في التعريف وتزكية الأشخاص لتلك المهمة الأمنية الحساسة والخطرة في نفس الوقت، حيث الأشخاص وهم يقومون بعملهم وواجبهم، لا يملكون في الدفاع عن أنفسهم غير العصي وصافرة الأنذار، وأستخدام كشاف الضوء اليدوي وكان من قبل الفانوس للإنارة وقيل يكون في حوزتهم الحبال لكتَف وربط المجرم، وفي حالة الأعتداء عليهم لا سمح الله من المتسللين ليلاً للسرقة أو ما شابه ذلك.

العمدة وهو المسمى المستحدث بعد أن كان يعرف قبلها بالمختار لفترة من الزمن، وقد كان لوالدي المرحوم الحاج منصور محمد الخرمدي «عمدة تاروت وتوابعها سابقاً» شرف العمل في كلتا الفترتين بهذه المهنة، مختاراً لمدة أربعة عشر سنه ثم عمدة بعدها لتبلغ خدمته الفعلية أكثر من أربعون عامآ حتى تاريخ تقاعده بناء على طلبه لظروفه الصحية «رحمه الله»، وكان العمدة يتحمل على عاتقه، إضافة إلى ما يقوم به من مهام في المجتمع من دور إجتماعي وإنساني كبير تمثل في حل النزاعات والخلافات التي تنشب بين قاطني البلدة، ومهام أخرى كثيرة منها التعريف بالأشخاص للأحوال المدنية والوظائف الحكومية والكفالات والعمل على تصريف شؤون الأهالي ومهام أخرى كثيرة، فكان للعمدة دور لم يكن خافياً على البعض، فهو من يتولى زمام الأمور في مساعدة رجال العسس وتفقد أحوالهم ليلاً وهذه المهمة صعبة وتتطلب الصبر والحنكة والشجاعة، وهي تأتي في الإطار الأمني الملزم والموكل إليه أضف لذلك دوره الفاعل بين الجهات الأمنية والمواطنين إذ كانت تقع على عاتقه ومن ضمن صلاحياته وحصراً تكليف الأشخاص بالحضور لمراكز الشرطة عند استدعائهم، وكثيراً ما يقوم بتحمل المسؤولية بإنهاء الموضوع وأغلاق البلاغ بعد الصلح بين الطرفين من غير حضورهم وخاصة إذا كان الخلاف بين الجيران أنفسهم.. وبإشرافه الشخصي وكثيراً ما يحدثني من الأهالي أطال الله في أعمارهم، ممن عايشوا تلك السنوات بقصص جميلة من الواقع حينذاك، وحيث كان يعد العمدة الجهة المقابلة لمراكز الشرطة والذي ينبغي التنسيق معه في كل ما يتعلق بالمواطنين.

إضافة ومن ضمن متطلبات المنصب أن للعمدة صلاحيات إجتماعية وإنسانية عظيمة تتمحور في واقعها حول الإهتمام بالشأن العام. ومن هذه الصلاحيات أنها في احد جوانبها تتركز على الحالات الصعبة للفقراء وأصحاب الإحتياجات وأصحاب المهن محدودة الدخل التي لا تسد حاجة الأسرة، والرفع بها للجهات المعنية لتقديم العون والمساعدة وهي التي عرفت وقتها «بالشونة» اي الشؤون الإجتماعية وكان من يُعرف بالمسجلين لدى الضمان الإجتماعي من كبار السن رجالاً ونساءً.. إضافة الى الأرامل والمطلقات وذوي الإحتياجات الخاصة «أصحاب الهمم» والأيتام، تعريفاً شخصياً كلاً على حده قبل استلام المعونة نقداً حينها ”الشونة“ وقيامه بأحضار المتأخرين لأسباب مرضية في أوقات أخرى تحدد بجدول من الإدارة، وبالرغم من صعوبة الظروف في تلك الفترة، من حيث الأمكانيات والمواصلات.

كان العمدة ينهض بدور إجتماعي وتعريفي، فدوره لا يقل أهمية عن شيخ القبيلة، الذي يلتف حوله الأهالي ويقوم بخدمتهم وتذليل الصعاب وإيجاد الحلول لها ومن غير أن تصل إلى الدوائر الحكومية مصلحاً إجتماعياً برضاً وقناعة من الجميع، كما للعمدة حضور دائم في وسط مجتمعه في أفراحهم واحزانهم والعمل على توثيق الروابط بينهم.

وكان لرجال ”العسس“ متناول حديثنا من العلامات البارزة، وإعلاناً للحضور الأمني الملازم طوال ساعات الليل وسكونه والليالي الرمضانية المباركة والشيقة آنذاك، لها خصائص وإثارة شعبية ممتعة، وروح مرنة وحكيمة في حفظ الأمن والأنضباط العام.

سقى الله ذاك الزمان الماضي ورحم رجالاته الذين أبتلوا بلاءً حسناً، واوفوا وأخلصوا في خدمة دينهم ووطنهم ومجتمعهم، وحفظ الله هذه البلاد الغالية من كل بلاء ومكروه.