آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 11:00 ص

حول تاريخ الأفكار عند المثقف

محمد الحرز * صحيفة اليوم

من الأمور الطبيعية والبديهية، فيما يتعلق بشخص، يكون على احتكاك دائم بالثقافة والمعرفة والأفكار، طوال حياته، هو أن تتغير أفكاره وتتحول قناعاته ولا تظل ثابتة، بل تتحرك وفق الشروط الحياتية التي يعيشها الشخص نفسه، ووفق خبرته التي يكتسبها من علاقاته بالناس والعالم، وإلا كان مثل الأشخاص الذين يتبنون فكرة واحدة طوال حياتهم مع تنويعات عليها من هنا وهناك، دون أن تحدث له رجة كبيرة في أساسيات الفكرة التي يتبناها.

النموذج الأول هو المثقف النقدي، بينما النموذج الآخر هو المثقف الإيديولوجي.

هناك مداخل عديدة في الرؤية إلى هذين المصطلحين أو النموذجين، بل هناك مثقفون ومفكرون كثر تناولوهما بالتفصيل، من أميل زولا إلى محمد عابد الجابري، وكل واحد منهما أدلى بدلوه في الموضوع، ومن زوايا متعددة. قد تختلف المسميات، فعلى سبيل المثال، من المثقف العضوي إلى المثقف الملتزم إلى المثقف الناقد أو المثقف الرسولي أو الوطني أو الطليعي.. ألخ. لكن المعنى يظل متقاربا فيما بينها، وأغلبها تجمع على أن المثقف هو المدافع عن قضايا مجتمعه وحقوقه وحقوق المهمشين الذين لا صوت لهم مؤثر ولا قوة تجمعهم.

البعض من هؤلاء المفكرين من يضيف فقرة تخص الدفاع عن قضايا الأمة باعتبارها هوية جامعة، أو من يضيف فقرة أخرى تربط المثقف بمقاومة الظلم والاستبداد والأمبريالية، وهناك أيضا من أضاف صفة الكذب تحت مصطلح المثقف المزيف على اعتبار براعته في تزييف الوقائع كما ورد عند «باسكال بونيفاس» في كتابه «المثقفون المزيفون».

ومن الضروري هنا - دون الدخول في التفاصيل - أن نشير إلى جانبين هما في غاية الأهمية فيما يخص مقاربة موضوع المثقفين الذي استهلك بما فيه الكفاية بحثا وتنظيرا وكلاما.

الجانب الأول منه يتصل بطبيعة الثقافة التي ينتمي إليها المثقف نفسه، وشروطها الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية التي تحدد في نهاية المطاف حدود التصورات التي تتحكم في رؤية المثقف لنفسه من جهة وللثقافة التي ينتمي إليها من جهة أخرى.

فلا يمكن، على سبيل المثال، أن يقوم مثقف ينتمي إلى الثقافة العربية هوية تاريخية وتربية اجتماعية، وانطلاقا من وعيه النقدي، وبهدف رسم رؤى جديدة للقضايا التي تهم المجتمع، بتناول قضايا من قبيل أزمة الرأسمالية وعلاقتها بالديمقراطية أو أزمة كورونا ومفهوم تحولات الجسد في الطب المعاصر. مثل هذه القضايا تمس من العمق المجتمعات الغربية، والمثقف الغربي هو المعني بها بالدرجة الأولى مثلما نجد ذلك عند العديد من مثقفيها كهابرماس أو تشارلز تايلور، أو آدغار موران أو آلان باديو وآخرين غيرهم.

أما المثقف العربي فأمامه قضايا لا تزال عالقة كالأمية والفقر والتعصب للماضي وضعف بناء الدولة وهيمنة الوعي السحري على أغلبية العقول. هذا الدور لا يقوم به إلا المثقف العربي حصريا.

وهذا لا يلزمنا القول بعدم تبادل المواقع بين المثقف الغربي أو العربي في سياق أن المعرفة أصبحت معولمة، وأن العالم أصبح يعيش هموما وقضايا مشتركة تمس العيش المشترك على هذا الكوكب. لكن ثمة فسحة للخصوصية يحكمها سياق تاريخي طويل لا يمكن الانفلات منه.

أما ما يتعلق بالجانب الآخر من الموضوع فيرتكز على غياب الدراسات - وإن جاءت قليلة - التي تسلط الضوء أو تهتم بعلاقة المثقف - بالخصوص العربي - بتاريخ أفكاره وتطوراتها زمنيا، فجل الدراسات التي قام بها المثقفون وقاربوها من زوايا متعددة كما أشرنا تتصل بمواضيع خارجية، ولا تهتم بنمو الفكرة عند المثقف ولا لتعالقاتها مع أفكار أخرى من مجايليه أو من أفكار سابقة عليه.

بالطبع الغرب وصل إلى مراحل متقدمة في هذا الموضوع. وهذا يقودنا للقول: إن ظاهرة تحول المثقف العربي من اليسار إلى اليمين والعكس أيضا، أو من التدين إلى العلمنة والعكس صحيح ليست سوى إحدى وجوه هذه الأزمة، وبالتالي هذا ما يجعل الحدود بين المثقف النقدي والإيديولوجي حدودا وهمية في ثقافتنا العربية المعاصرة.